السبت 20 / 01 / 2018 - 10:51 مساءً    بتوقيت القدس الشريف
   
ذات صلة
   

   

   

مقالات الفرقان
   

اصدارات الفرقان
   

مقالات الإعجاز
   

تابعنا على Facebook
 
 
المقومات الشخصية لمعلم القرآن الكريم
مؤسسة الفرقان لتحفيظ القرآن - - الأربعاء 21 / 05 / 2008 - 08:04 صباحاً
[ALIGN=CENTER][TABLE=width:60%;background-color:transparent;background-image:url(backgrounds/16.gif);][CELL=filter:;][ALIGN=right]المقومات الشخصية لمعلم القرآن الكريم وأثرها التربوي على الحلقة

1 – أهمية الموضوع
        إن المعلم هو عماد الأمة وعليه المعول على بناء جيل قوي في إيمانه ، قوي في جسمه ، قوي في شخصيته ، وإن مكانة المعلم في الإسلام أرفع مكانة ، إنها مهمة الأنبياء والرسل ( هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ) 1 وهذا المعنى وضحه نبينا عليه الصلاة والسلام ( ولكن بعثني معلماً ميسراً ) 2 ووردت معلماً نكرة لتعم كل أنواع وجنس التعليم ، يكفي للعلم تعظيماً وتشريفاً وحثاً عليه وعلى تأديته فضلاً عن التكليف به بأن نسبه الله لنفسه ( يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ) 3 ، بل إن منزلة التعليم مستمدة من قداسة مصدريته التي صبغه الله بها ، فالعلم هو الذي يقود حركة الأمم ، ويصوغ العقول والأفكار لذلك جاء الأمر الإلهي ( ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ) 4 .
فالمعلم الناجح هو الذي يؤثر في الناس ويغير من مسارهم وفق ما أراد الله ، لذا نحتاج إلى المعلم الذي يمتلك القدرة على إحداث ذلك التغيير ذي شخصية قوية لأن الحق لا ينتصر لوحده ما لم تكن وراءه نفس قوية تأخذ به تذود عنه ، فمعلم القرآن يتبوأ منزلة في الإسلام هي أسمى مكانة ( خيركم من تعلم القرآن وعلمه ) 5 وما ذلك إلا للدور المنوط به ، فلا يمكن للمعلم أن يملك أدوات التأثير وهو ضعيف وأدواته قديمة غير متجددة ، إن الزمن الذي نحن فيه يحتاج إلى الأدوات الفعالة لإحداث التغيير .
والمعلم المربي مطلوب منه  أن يفهم طلابه ويعطيهم الحافز الأخروي والإيماني حتى يقدر على مواصلة المسير بنجاح ، كما أن المعلم مطلوب منه أن يواجه هذا الزخم الهائل من الملهيات والمشغلات التي تصرف أذهان الطلاب عن القرآن وعن معالي الأمور ، وبقدر ضخامة المهمة التي أسندت للمعلم بقدر الحاجة إلى أن يتصف بصفات مؤهلة لذلك العمل ، فحيث كان الحديث عن الصفات الفطرية التي جبل عليها نتوقع أن يحوز المعلم على أرفعها مكانة وشأناً ، فلا يمكن أن يكون في المربي صفات فطرية منفرة طبعاً ومقززة عرفاً ، وحيث كان الحديث عن الصفات المعرفية التي ينبغي أن يعرفها عن واقعه الذي يعيش فيه ، نتوقع أن يطلع المعلم على ثقافات متنوعة حتى يكبر في عين طلابه ، فلا يمكن للمربي المعلم أن يجهل أساسيات معرفية في عصره حتى لا يتحول إلى أضحوكة يتندر بها الناس ، وحيث كان الحديث عن الصفات التربوية نتوقع أن يتصدر لها المعلم الناجح معرفة ودراسة وممارسة لأنها هي الميدان الحقيقي لعمله حتى يمكنه أن يدعو على بصيرة وعلى فهم نفسيات من يخاطب ( خاطبوا الناس على قدر عقولهم ) وحتى يكون قدوة حسنة على أرفع مستوى ليقبل التلاميذ عليه برغبة وشوق واحترام ( إن التناقض بين الكلام والعمل يهدم كيان الشخصية )  6 فالمعلم يُعلم بعمله أضعاف أضعاف ما يعلم بعلمه ، فإذا خالف عمل المعلم ما يقول انهارت شخصيته في عين طلابه وأساء المعلم إلى نفسه ولما يدعو ولدينه ، لذا ينبغي للمعلم ( إذا وعد وفى ، وإذا أوصاهم بشيء بدأ بنفسه ، فإن حدثهم عن الصدق صدق ، وإن حدثهم عن التواضع تواضع ، وإن نصحهم بالهمة والعزيمة والجد والنشاط كان هو مثال ذلك شعلة تتوقد حركة واضطراباً ) 7  وقبل كل شيء ينبغي أن يطبق
  ما يقول حتى يقبل عند الله ، فالإيمان قول وعمل ، وأخيراً ينبغي للمعلم أن يقرأ ويسمع ويناقش ذوي الخبرة الواسعة ومن هم في الميدان العملي حتى يرتقي بشخصيته علماً وفهماً وتعليماً وتربيةً .
2 – المقومات الشخصية للمعلم المربي
        1 – المقومات الفطرية لمعلم الحلقة
أ – سلامة الاعتقاد :
     إن معلم القرآن مؤتمن على تربية الجيل وغرس المفاهيم الإيمانية ، فلا يسند أمر تربية الشباب إلى من لايوثق بإيمانه وخلقه ، إضافة إلى أن طبيعة المعلم التعلم منه والتأسي به ، فينبغي أن يكون مطبقاً للدين عاملاً به لأن الطالب يأخذ من عمل المعلم قبل أن يأخذ من قوله ، فإن صدق قولُ المعلم عملَه تلقى الطالب المعلومة بشكل صحيح وعملي فتكون آكد وأقوى ، أما إذا كذب قول المعلم عمله سقط المعلم من عين طلابه ولم يأخذوا عنه مايقول وانتقلت الإساءة إلى الإسلام والمسلمين حيث يقول الناس ( لو كان الإسلام حق لطبقه أدعياؤه وعلماؤه ، ولو كان المعلمون صادقين مع الله ومع أنفسهم لصدقوا أقوالهم ، أو يقولون أقوالاً قريبة من ذلك ) فالناس والمتعلمون إذا عرفوا الكذب والخداع فيمن يدعي الصلاح يعكس في نفوسهم كل المشاعر السلبية ، ويعاقب يوم القيامة لأنه علم ولم يعمل  .
إن معلم القرآن هو مربي قبل أن يكون ملقناً أ ومحفظاً للقرآن الكريم ، لذا ينبغي أن يكون وقافاً عند محارم الله وحدوده ، ليس من الغالين فيه ولا من الجافين عنه ، ومعلم القرآن يعتبر نفسه في أهم الميادين لغرس العقيدة الصحيحة في نفوس الناشئة بعيداً عن التنطع أو التسيب ، وإن العمل المبني على الاعتقاد الصحيح يستمد قوته وبركته من الله أما العمل المبني على الاعتقاد الفاسد ليس فيه بركة ( وإذا كان لكل من العقيدة الصحيحة والفاسدة آثار تلائمها وأعمال تصدر عنها ، فالعقيدة الصحيحة أساس الفكرة المستقيمة والرأي السديد والعمل الرشيد وهي تعد للكمال الإنساني خير عماد وللأخلاق السامية أقوى سناد أما العقيدة الفاسدة فهي أصل الفكر السقيم والعمل السيئ وبها ينحط قدر الإنسان ويبعد عن الكمال الذي أعده الله له ) 8  .
            ب – الإخلاص
الإخلاص هو ( إفراد الحق سبحانه بالقصد والطاعة ) 9 ولا يقبل الله من العبد عملاً إلا ما كان خالصاً وإن المعلم الذي يعمل لله يستمد العون منه فقط ويتوجه له وحده بالدعاء بأن يقبل العمل لذا فإن الله يبارك ذلك العمل ولهذا فإن أثر المعلم على طلابه على قدر إخلاصه وصلاحه وحسن مقصده ومصداقيته في العمل ( وأول ما ينبغي للمقرئ والقارئ أن يقصد بذلك رضى الله تعالى ، فإنما يعطى الرجل على قدر نيته ) 10 ، والذي يبتغي بعلمه وبعمله
وجه الله تجده محبوباً عند الناس لأنه لايتكبر عليهم ولا يرد سائلاً ويصبر على أذى السفهاء ويتغاضى عن أخطاء الناس ولا يصيبه فتور أوتراخي ولاينتظر مكانة مادية ولا معنوية ، بل يترفع عما في أيدي الناس ، وقد ورد حب الناس لمن يتصف بتلك الصفات لأنهم يقدروا ذلك الرجل الصادق مع نفسه ومع الله ( إذا أقبل العبد بقلبه على الله ، أقبل الله بقلوب العباد عليه ) 11  فالمعلم المربي لايريد بتعليمه للناس ( رياء ولا سمعة  ولا رسماً ولا عادة ولا زيادة جاه ولا حرمة ولا مال أو رياسة أو ارتفاع على أقرانه ) 12  لأن من وقع في ذلك فضحه الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة ( من سمع سمع الله به ، ومن راءى راءى الله به ) 13 بل يكب في النار على وجهه من طلب العلم ليماري به السفهاء أو يجاري به العلماء أو يصرف به وجوه الناس إليه ، أدخله الله النار ) 14 .

ج – حسن الخلق
إن حسن الخلق علامة على صدق فهم الإنسان لدينه وعلامة على تحقيق الشرط الثاني لدخول الجنة وهو ( وعملوا الصالحات ) فالخلق الحسن هو الترجمة الحقيقية للإسلام ، بل  إن الله أمر به في كل الأمور  ( إن الله كتب الإحسان على كل شيء ) 15  ، ثم إن المؤمن الحريص على دعوة الناس  لينقذ الناس من الجهل ينبغي أن يتحلى بالخلق الحسن حتى يجذب الناس لدعوته ويسمعوا لقوله فيهديهم بإذن الله إلى الدين والفضيلة ، ولا ننسى أثر القدوة الحسنة في أخلاق أجدادنا عندما كانوا يتاجرون في البلاد فيتأثر الناس بأخلاقهم ويدخلوا في دين الله أفواجاً حتى بلغ بسفير فرنسا في استانبول ذات مرة أن اشتكى من إسلام التجار الفرنسيين عندما يذهبون إلى بلاد الإسلام ويتعاملوا مع التجار الممسلمين ،  لذا فإن حسن الخلق من أكبر وسائل التأثير في الناس ومن أبرز وسائل تقوية الروابط الاجتماعية بين المعلم والمتعلم ، ويوم يفقد المعلم شيئاً من الأخلاق الفاضلة فإنه يفشل في العمل التربوي داخل الحلقة وفي ميدان التعليم والتأثير ، من أجل ذلك استحق ذووا الخلق الحسن تلك المكانة الرفيعة في الجنة ( إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلساً مني يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً ) 16 .ولا غرابة في ذلك فقد نص الرسول صلى الله عليه وسلم على الخلق الحسن بأهمية كبرى ( أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً ) 17  وقال الله تعالى ( وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن ) 18  ولا بد للمربي لغرس القيم الأخلاقية أن يعرفها ثم يتمثلها واقعاً ثم يعرفها للمتربي ثم يتابعها ممارسة على صعيد المحاكاة والتقليد ابتداءً ثم مروراً الاقتناع والتصديق ثم انتهاءً بالرقابة الذاتية للمتربي بنفسه بمعونة مربيه
             د - التعاون مع الزملاء والإدارة  وعدم العزلة
قد يكون المعلم منتجاً في دائرته الفردية وفاشلاً في الدائرة الجماعية ، وذلك يرجع إلى أسباب عديدة ، من أهمها أنه غير قادر أن يتعايش مع المجموعة أو يعمل بروح الفريق ، إما لترفعه عنهم أو لأنه يتوقع المثالية من الناس ، ولما كان

مطلبه مثالي غير واقعي فيصطدم مع سنن الكون فيلجأ إلى السلبية والعزلة ، هذا الشخص قد ينتج في التعامل مع الجهاز الآلي والأعمال الفردية التي لا تحتاج إلى خلطة ، والذي يعنينا أن المعلم من أسس عمله الخلطة والصبر على شرائح الناس المختلفة حتى يؤثر ويدعو ويربي ( الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم ) 19 والأجر على قدر المشقة ، فقد يوجد المعلم – للأسف – في موقع ويظن في نفسه أنه أفضل من كل الموجودين علماً وعملاً وفهماً وإنتاجاً !! فكيف تتوقع ممن برمج نفسه على هذا الشعور أن يتقبل رأياً أو توجيهاً !! فرأيه الصواب وكل ماعداه فهو مخطئ مسكين يحتاج إلى توجيهه الكريم !!! وقد تكون العزلة مرضاً نفسياً أو عقداً مركبة ،  كل ذلك لا تُقبل من المربي أو الموجه أو المعلم .
2 - المقومات المعرفية لمعلم الحلقة
          أ – الإلمام بالأحكام الشرعية الأساسية
         بحيث لا يعذر أي مؤمن أن يجهلها ، والعلم بذلك في حق معلم القرآن آكد من غير المعلم لما يناط في حقه التعليم والتربية والتوجيه فإذا كان ( طلب العلم فريضة على كل مسلم )20  فإنه في حق المعلم أوجب لأنه يعلم ويربي ( إن الأنبياء لم يورثوا درهما ولا دينارا وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر ) 21 فعلى معلم القرآن أن يجتهد مافي وسعه لتعلم العلوم الشرعية متدرجاً حسب الأولويات الشرعية والتخصصية في ذلك .
        

ب – أن يكون حافظاً للقرآن
فلا يتصور أن يكون الطالب أحفظ من معلمه !! ، فكيف يعرض الطالب محفوظه على معلمه وهو غير واثق به في حفظه ، وما سمع في مجال التعليم أن يكون المعلم أقل مرتبة من معلمه إلا في الآونة الأخيرة !!! فإذا عرف الطالب بضعف معلمه سيصيبه شيء من الغرور والتعالي عليه معلمه وسوف لا يتقبل منه أي أمر  لكونه ليس ممن يتقبل منه التوجيه والتربية .
          ج – أن يكون مجوداً للقرآن
من أول الأمور التي ينبغي للمعلم أن يتحلى بها أن تكون تلاوته للقرآن تلاوة صحيحة لأنه إن لم يكن كذلك فسوف يعلم طلابه بطريقة خاطئة ، وأي خطأ وخلل أكبر من أن يعلم المعلم طلابه القرآن بتلاوة خاطئة ، بل ويعتبر خيانة للقرآن من يقرئ طلابه على غير الصورة التي أنزل الله بها القرآن ،  لأن لسان حاله يقول (هكذا تقرأ الآية وهكذا أعلمها ) وهذا كذب على الله ، ثم ما بالك إذا وجد أحد الطلاب من يقرأ بتلاوة جيدة ، ما موقف المعلم عندها !! فهو إما يعترف بالدونية أو يواجه الموقف بصورة سلبية مقيتة ( إصرار على الخطأ ، حقد على الطالب ، تهميشه وإغفاله ، الهجوم عليه وعدم إتاحة الفرصة له ليقرأ  أو يسأل …)  ، وهذان أمران أحلاهما مر ؟؟ وينتج عن ذلك ذهاب هيبة المعلم ، وإساءة للقرآن ولحامله ، وضياع وقار القرآن وتلاوته في نفوس الطلاب و عدم تقبل التوجيه


، وعدم إنتاجية المعلم أو التفكير في ذلك ، ….  ونذكر في هذا السياق أن شرط الأوائل فيمن يتصدر لتعليم الناس القرآن أن يكون حافظاً للقرآن مجوداً له ، عالماً بالقراءات والنحو ، قارئاً للقرآن بالسند المتصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لكننا تدرجنا نزولاً في الآونة الأخيرة بتجاوز الشرط الأول ، ثم تدرجنا نزولاً بتجاوز الشرط الثاني ، ثم تدرجنا نزولاً بتجاوز الشرط الثالث إلى حد كبير ، ولاندري إلى أين نحن سائرون مع هذا الضعف وأين الحريصون على القرآن !!  ، ووصل الحال في أماكن كثيرة أنه بدأ يكلف لتعليم القرآن من عنده القدرة على قراءة الكلمات العربية فقط   !!!   وأخيراً فإن وصل الضعف إلى كل مراحله لايمكن أن نعين من لايجيد التلاوة الصحيحة لأنها من القرآن فهي الحد الأدنى ، آن لنا أن نهتم بالجودة النوعية وبالكيف لا بالكم ، فلا نريد ماذا حفظ ، نريد كيف حفظ ، وهل ثبت محفوظه ، لذلك اعتماد نظام المراجعات الذي بدأ به البعض ليعتبر الخطوة الأولى للحصول على الإنتاج الجيد ، تليها التلاوة .
             د  – أن يكون عارفاً بأحوال النفوس المختلفة
إن العصر الذي نحن فيه – ولافخر – حدثت فيه متغيرات معرفية هائلة في عمر الزمن ، وتشتت ذهن الطلاب إلى حد بعيد جداً ، ودخل كثير من المتناقضات ذهن الطالب ، هذا استلزم أن يعرف المعلم مفتاح شخصية تلاميذه ليقدر على التأثير الإيجابي ، والحقيقة أن النفس البشرية لها مسالك متشعبة ودروب وعرة ، تحتاج من المعلم الواعي أن يفهم طلابه حق الفهم حتى يمكن له أن يغرس التربية والإيمان وحب القرآن وحب العلم والفكرة الإسلامية بأحسن صورة فالحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها ، وكما استخدم الناس الآن وسائل حديثة للتعامل مع المتغيرات لتحسين حياتهم وللتعامل الأفضل لماذا لا يستخدم المعلم أحدث الوسائل لتطوير نفسه ليواكب المتغيرات حتى يستخدمها في إيصال دعوة الله وزرع الفكرة الدينية والتوجيه الإنساني ومتابعة النشء على أفضل صورة ، هذا وإن وجود شرائح مختلفة للطلاب ليفرض أهمية التعرف  أكثر على من أساليب التعامل  ، فالتعامل مع الصغير يختلف عن التعامل مع الكبير يختلف عن التعامل مع الفتيان ، وكذلك التعامل مع القريب الحريص يختلف عن التعامل مع البعيد المتبلد ، وهناك حيثيات كثيرة تقسم الناس وفقاً لها .
        
هـ -  المقدرة على إيجاد الدوافع ثم استخدام وسائل الحفز والتنشيط الملائمة .
  الدافع هو ( الحاجات التي يسعى الإنسان لها حتى يعود التوازن الجسمي أو الاجتماعي أو الروحي إلى ما كان عليه ) 22   فالمعلم يحتاج إلى إيجاد الإقبال من المتعلم على القرآن والإسلام ، ثم ينشط ويزيد من الدافعية بحوافز تزيد من حماسه للحفظ والمراجعة في دوائرها الأربع المادية والنفسية والعقلية والغيبية ، فالمادية مثل الهدايا وتأصيلها الشرعي  ( تهادوا تحابوا) 23  والنفسي بدافع الثناء أو الانتماء وتأصيله الشرعي ( زادك الله حرصاً ولاتعد ) 24   ( نعم الرجل لو كان يصلي من الليل ) 25  والعقلي تحفيزه بما يقوم من إنجاز في الحفظ ومقارنته مع الأقران ، أو بدافع الاستطلاع والاكتشاف أو التحدي والمحاجة ، والغيبي بتحفيز الطالب بالأجر الأخروي لمن يحفظ ويتلو ويعمل بالقرآن،   كل ذلك
بسبب أن الطالب الذي شغلته ملهيات لاحصر لها وظهرت أشياء سلبية شتت ذهنه تدعوه إلى الفساد والانحلال واللامبالاة بوسائل متنوعة ومدروسة ومحببة إلى النفس والتي تميل بطبعها إلى التفلت من القيود ، مما يستلزم من المربي المعلم أن يستحدث وسائل إيجابية لجذب الناس إلى القيم العليا والأخلاق الحميدة وإلى حب القرآن والمسجد والإيمان وإلى العمل بالقرآن وترجمته إلى سلوك واقعي ، فهناك من العلوم المفيدة وهناك من العلوم الضارة ، والملهية أكبر بكثير ، فأصبح لزاماً على المعلم أن يستخدم من العلوم النافعة حتى يواجه الضارة منها والملهية والمشغلة عن الأهداف العليا ، فالمعلم الناجح هو الذي يعيش عصره بثوابته وبمبادئه الأصيلة .

ح – المعرفة العامة
المعلم الناجح هو الذي عنده إلمام بثقافات عصره مما يقرب المعلم من طلابه فيتأثروا به وبما يعلم ، لذا فإن تعليق المعلم على الأمور العامة مطلوب حتى يرغب في المفيد ويحذر من الضار أو يبرز معاني إعجاز الله في الاكتشافات الحديثة وتعميق أسلمة العلوم في أذهان الطلاب وربط العلم بالدين وربط ما يعرف عن الكون بقدرة الله المطلقة ، أما إذا لم يواكب المعلم عصره اطلاعاً على كل جديد وانطباعاً عن كل مفيد تؤخذ الفكرة عن المتدينين أنهم وراء الأحداث وأبعد عن كل اختراع ، وتعلق تلك الشبهة التي طالما يروج لها أعداء الدين ، فلا نساعدهم في تثبيت وإلحاق الشبه التي تبعد الناس عن الدين والإسلام ، والمعلم المؤثر في تلاميذه هو الذي يقدر على التعليق على كل تساؤلاتهم ( فهو إذا ناقش تلاميذه أقنعهم وأثر فيهم بسعة ثقافته ووعيه وأجاب على أسئلتهم وعلى ما يشغل بالهم من مشكلات مجتمعهم وأمتهم وقضايا عصرهم إجابة الواعي الواسع في علمه واطلاعه لأنه لابد للثقافة الحقة الفاعلة من الفاعلية والمزامنة فهي لاتنسلخ عن الزمان والمكان ) 26 .
         ط – اكتساب وتطوير مهارات تدريسية واستخدام الوسائل المعينة على إيصال المعلومة
من المهم جداً أن يتعرف المعلم على مهارات تعينه على أداء عمله على أحسن صورة ، فهناك طرائق لتعليم وتحفيظ القرآن ومراجعته حتى لايتفلت بالنسيان والغفلة ، فالتعامل مع الصغار يختلف عن التعامل مع الكبار ومع المراهق ، ونلاحظ من الواقع العملي في كثير من الحلقات أن الطالب ينسى ما حفظه ، كما نلاحظ القراءة دون تلاوة ، ونلاحظ وجود الأخطاء الكثيرة ، هذا مرده عدم تطابق الأسلوب لاحتياج لطالب ، ( نذكر في هذا المجال – تجربة شخصية - من واقع جهد تجميعي وتدريسي وميداني لغالبية الطرق والوسائل المعمول بها في العالم الإسلامي في الحفظ والمراجعة والتقويم استغرق البحث أكثر من عام وخرجت بمعلومات لاغنى للمعلم عنها في عمله كمربي ومعلم ومحفظ للقرآن الكريم ) لأن المعلم الناجح يخاطب المتعلم على قدر فهمه وعمره وعلمه ويختار له الأسلوب الأمثل مراعياً معطيات الواقع الذي نحن فيه ، ( هناك ارتباط إيجابي بين الرصيد المهني للمربي وفعاليته الدعوية والتربوية ) 27 ولا

يمكن أن يدعي إنسان أن طريقة تحفيظ القرآن توقيفية ذات شكل واحد ، إنما ينبغي أن يحدث المعلم وسائله في تعليم القرآن ، وهناك العشرات من الكتب التي صدرت في الآونة الأخيرة  تفيد المعلم في عمله فعليه أن يطلع عليها ، وهنا
أحب أن أشير إلى أن جمعية تحفيظ القرآن الكريم بجدة بدأت منذ فترة قريبة في عقد دورات تحت مسمى ( مهارات تعليم القرآن ) ومن فضل الله علي أن كلفت بتدريسها ، فأتناول فيها المهارات اللازمة للمعلم في تعليمه للقرآن  .
كما ينبغي للمعلم أن يستخدم الوسائل الإيضاحية المختلفة السمعية منها والبصرية ، ومن خلال إحصائية حديثة أن الإنسان يتذكر 80% مما يشاهد و40% مما يسمع و 10% مما يقرأ و98% مما يجرب ويشاهد ويسمع عملياً ، لذا فالأمنية أن ترتقي الحلقات بالوسائل السمعية والبصرية حتى لا يبقى الخطاب الديني الموجه للشباب في أقل زاوية من زوايا التفكير والاهتمام ، وكلنا نلاحظ ونعاني من الأثر السيئ للبرامج الفاسدة التي تستخدم كل الأحاسيس لإيصال المعلومة ، لذا نستنتج (( لا حلقة ناجحة بغير وسيلة )) فالمقام لا يتسع إلى شرح كيفية تفعيل واستخدام الوسيلة دون أن تؤثر على وقت الحلقة .
أما في الدروس التربوية التحفيزية ، لماذا لا نستخدم أسلوب المناقشة والحوار والاستنتاج وورش العمل ؟ ولماذا لا نستخدم القصة والخيال والتصوير والبيان ومعايشة الطالب تفكيره واهتمامه ، يقولون إن أسوأ وأضعف أسلوب لإيصال المعلومة هو الطريقة الإلقائية من طرف واحد التي طالما يصر عليها البعض لسهولتها أو لعدم إتقان غيرها .
إن المعلم الذي لا يحضر درسه ذهنياً وورقياً ونفسياً يفقد كثيراً من قدرته على العطاء والاستمرارية والتأثير ، كذلك الذي لا يبني خطة مستقبلية لطلابه للحفظ والمراجعة يفقد كثيراً من الإنتاج الفعال ، لأن مجريات الدرس وروتين العمل ينسي ما يريد فعله ويرى نفسه أن الوقت والزمن هو الذي يقوده في العمل
        ي - الفصاحة في الخطاب وعدم التكلف والتقعر في الكلام
المعلم الناجح يبتعد عما تنفر منه النفس السوية ، من ذلك التكلف والتقعر والتشدق في الكلام الذي يوحي للمتعلم أن هذا المعلم يريد أن يكسب لنفسه شيئاً من المهابة لنفسه ويصطنع الحواجز ليرفع من قدر نفسه وليكلم الناس من علو كاذب حتى يضعوا له المكانة التي طالما يعيش ويموت من أجلها ، فيفهم الطالب معنى الرياء متأصلاً في ذلك المعلم فتسقط من عينه مهابة معلمه ، وبالمقابل فإن حسن التعليل والاسترسال والمقدرة على صياغة الأفكار دون تعقيد أو فلسفة أو التواء ، وسلسلتها بأسلوب أخاذ ، وحسن الاستشهاد بالنصوص البليغة في القرآن والحديث والشعر ، دون تكلف أو تقعر أو مفاخرة ، كل ذلك يزيد من تعلق الطالب بمعلمه ، فيأخذ منه الأدب والعلم والعمل معاً .    
3 - المقومات التربوية لمعلم الحلقة
          أ – أن يحترم المعلم شخصية الطالب
إن المعلم الحريص على بناء شخصية قرآنية متكاملة متوازنة حفظاً وفهماً وعملاً ينبغي أن يراعي جهود الطالب الكبيرة التي يقدمها في الحفظ والمراجعة ويرد على أسئلته بهدوء واحترام لأن ( المحبة والاحترام شرط من شروط الإفادة من تربية المربي ، ومتى فقد هذا الشرط فلا تربية ولا مربي ) 28
        
ب – الاتصاف بالاتزان العاطفي
إن سنة الله الاعتدال والاتزان والوسطية أما الغلو والتشدد والتنطع أو التهاون والتسيب فهما طرفا نقيض لايصح أن يكونا وصفاً للمعلم، فهو غير انطوائي ذا نفس ( غير منقبضة وغير معقدة لأن النفس السمحة المحبة المتفائلة غير الحاقدة المتشائمة ، والنفس المطمئنة الرضية التي تتسع ثقة ورضا غير النفس المضطربة المتناقضة القلقة ، والوجه المشرق والثغر الباسم له أثر في النفوس غير الوجه البائس العابس الكئيب ) 29  فلا نهون من حجم المشكلة ولا نهول منها ، والوصول إلى الوسطية أمر عزيز يحتاجه كل مربي ، والغرابة أنه يدعيه كل إنسان ، فكل يشعر أنه على الصواب والحق ،  وما عداه هو الباطل ( إن تحويل الحادثة إلى ظاهرة ، والمشكلات الفردية إلى قضايا عامة ، وربط المشكلات المعقدة بقضية محددة ، كل ذلك إفراز للمبالغة في التعامل مع الأخطاء وتجنب الاعتدال ) 30  لذلك لاينبغي أن يكون منهجنا ومنطلقاتنا تصحيح الخطأ فقط ، إنما نحتاج إلى بناء نفسي وروحي وعقلي متكامل ، نريد خطابنا وأسلوبنا أن يصل إلى كافة شرائح المجتمع بيسر وسهولة وتقبل وتجاوب لكافة مستوياتهم وأعمارهم وتفاوت أحوالهم ، كما ينبغي ملاحظة أن علاج الخطأ بخطأ يزيد من تفاقم المشكلة ويعقدها بشكل أكبر ، ولا ينبغي لمعلم القرآن أن يفقد أعصابه عند وجود الأخطاء أو الرد عليها أو تصحيحها والتنبيه عليها ( لاتضح بأدبك في سبيل تأديب ولدك ) 31 ،  لا أعالج الخطأ بما هو أخطأ منه .  
         ج – التدرج في الثواب والعقاب
لا نفرط في العقوبة لأن النفس تنفر من ذلك بل وتصر على الخطأ وينكسر حاجز الحياء والتوقير بين الصغير والكبير فيتجرأ الصغير إلى عمل ما لا يحمد عقباه ، وفي نفس الوقت فإن تجاهلها مخالف لأمر الله ( وحين يفرط المربي في العقوبة ينقلب الأمر إلى تأثير مضاد ، فيندفع المتربي شعوره بأنه مظلوم إلى الإصرار على الخطأ وتبريره وينشغل بالعقوبة التي وجهت له عن الاعتناء بإصلاح الخطأ ، وكثيراً ما يصر عليه ويتشبث به ، ويكره الحق وأهله )32.  
لذلك ينبغي تفهم نفسيات الطلاب لمعرفة الأسلوب المناسب في الوقت المناسب للزمان المناسب للشخص المناسب ، فالمعلم الناجح يعرف طلابه ويميز الفروق الفردية بينهم ويعرف ما يصلح لكل واحد منهم ، كل ذلك يستلزم من المعلم
لذكاء وسرعة البديهة وحسن التصرف في التعامل مع مجريات الأحداث ، اذكر طرفة حقيقية لأحد المعلمين عندما ترك غطاء رأسه في الحلقة ليتوضأ وعندما عاد رأى وقد رُسم على ذلك الغطاء صورة حيوان فقال بسرعة البديهة من مسح وجهه فيه ، فضحك الجميع وخرج المعلم من المأزق بأذكى صورة  ، فأحيناً يحتاج المعلم أن يتغابى عن بعض الأمور بدقة
ومراقبة دقيقة لما يحصل ، كل ذلك يعين المعلم على ضبط الحلقة بحزم من غير شدة منفرة ، ولين من غير ضعف ، بل إن البراعة في ضبط الحلقة والدرس من أهم مقومات المعلم الناجح ، وهذا يتأتى من فهم الأمور بدقة .  
         د – الورع عما يستكره عرفاً والابتعاد عن مواضع التهم
( الورع هو مراقبة الله تعالى في كل ما يصدر عن المعلم من سلوك وما يلفظ به لسانه من قول وما يخفق في قلبه من هوى وعاطفة وما يقرره عقلك من فكرة وإرادة وما تضطرب به حواسك من سمع وبصر وحركة وشعور ) 33  فالمعلم يراقب الله في وقت الحلقة فلا يتأخر ولا يضيع الوقت سدى ، ويراقب الله في ممتلكات المسجد والمدرسة فلا يغل ولا تمتد يده إلى ما ليس من حقه ، ولا يستخدم ممتلكات المسجد لأغراض شخصية ويعرف واجبه في إتقان عمله فلا يقصر بل يبتكر ويبدع ، ويعرف حدوده مع من يتابعه إشرافياً فلا يتعبه في الجدال العقيم والتمرد والطرفية والتحزب ، ويعرف حق زملائه عليه فلا ينعزل ، ويعرف وجوب الابتعاد عما يستكره عرفاً فلا يقع في شبهة ، ولا يقع في أمر مستكره طبعاً كعدم النظافة أو عدم الأناقة ، فهناك من المعلمين من يتأخر في تنظيف ملابسه بالأسابيع ، والطلاب عندهم أجهزة رصد على أعلى مستوى ويتعاملون بطفولة بريئة وأحياناً بدهاء ، فالطفل لا يكتم مشاعره ، فإذا اشتم رائحة كريهة تساءل وأثار ذلك التساؤل في البيت ، بل قد يسأل طلاب الحلقة فييفتيه كل واحد بما يتفتق به ذهنه أن يقول ليضحك الجميع باكتشافاته وآراءه الجريئة ، وقد يصل أخيراً إلى معلمه ذلك التساؤل فيحرج ذلك المعلم فيضطر إلى الإصرار على الخطأ وفلسفة ذلك وقد يلبسه ثوباً دينياً ليضفي عليه المهابة والوقار فيكون بذلك استخدم دينه لتبرير زلاته ، أو يضطر إلى الحقد على الطالب ، أو كل ذلك ممكن أن يكون ، إن الإسلام حرص على الحقوق العامة وقدمها على الحقوق الخاصة بشكل لم تعرف البشرية ولا حتى فيمن يدعي حقوق الإنسان بذلك ، إن الكبير قد يقدر ظرف المعلم ويعذره ويلتمس له سبعين عذراً ، أما الطفل فلا يمكن أن يقتنع بهذا ، فله مدرسة أخرى في التصورات وفلسفة خاصة في ردود الأفعال ، إن الكبير عقله كبير يفوت الهفوات الصغيرة ، لكن الصغير يعتبر تلك الهفوات كبائر ويقيم المعلم وفقاً لها ويتخيل ويحكي قصصاً عليها ، إن المعلم داعية ومربي ومن شأنه جذب الناس ، أما اللباس الوسخ والرائحة النتنى من شأنها التنفير و التقزيز .
إن المعلم ينبغي له أن يكون بشوشاً وسمحاً إذا تعامل وعلم وربى ، فالابتسامة تعني الرضى والإيجابية في الأمور والاتزان العاطفي ومرونة في التعامل وتقبل الآخرين ، أما العبوس وتقطيب الجبين يدل على النفس المعقدة السلبية المنفرة ، كما يدل على جهل بتعاليم الدين الذي علمنا أن الابتسامة صدقة ( تبسمك في وجه أخيك صدقة ) أي أنها
عبادة !! فانظر إلى دقة الاهتمام بالناحية الاجتماعية والحرص على الألفة وشيوع المحبة والتعاون والتعارف والتآلف ووحدة الحال والمشاعر .
كما أن المطلوب من المعلم أن يكون وقافاً عند حدود الحلال والحرام فلا تزل قدمه في حرام ، لأن زلة عالِم زلة عالَم ، ( فالورع يدعو إلى المتعلم إلى الثقة والاطمئنان ، وهما أعز ما يحرص عليه الطلاب ، ثقة في صلابة العقيدة ، وثقة في غزارة العلم ، وثقة في متانة الخلق ، وثقة في صدق الود ، واطمئنان إلى كل ما يصدر عن رأي وسلوك ، وثقة الطلاب بمدرسهم هي بدء نقطة التحول إلى الاقتداء به ، ولا إصلاح من غير أسوة حسنة ، ولا أسوة حسنة من غير ثقة واطمئنان ، ولا ثقة من غير ورع ) 34
         هـ – تقدير الطالب وشكر المحسن وإعانة المخطئ أن يتجاوز الخطأ
عندما يعرف الإنسان أياً كان صغيراً أو كبيراً أن منـزلته محفوظة عند جهة معينة فإنه يتقبل منه الحلو والمر ، فالمعلم المحب لطلابه الحريص عليهم المشفق على إيصال الخير لهم يكون قد امتلك كل أساليب التأثير والإقناع ، وبالتحديد إذا أشعرت المتعلم بأنك حريص عليه محب له فإنك بذلك تملك قلبه ويستجيب لدعوتك وفكرتك ، لذلك وصانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن إذا أحببت أخاً لك في الله فأخبره ، أما إذا عرف الطالب من تصرفات المعلم الغاضبة أو غير المسؤولة أنه يكره فلان فإنه لايمكن أن يتقبل منك لا في الحال ولا في المستقبل أي توجيه ، فتقدير المنتج والمحسن لازم ديناً وعرفاً فقد حثنا ديننا على شكر المحسن وتقديره حتى يستمر في الإنتاج ( من لا يشكر الناس لا يشكر الله ) 35 ، وأريد أن تتخيل أنك في مؤسسة تعمل وتنتج وبعد ذلك تساويت مع المهمل  في التعامل والمكافئة         و - أن يكون محباً لمهنته
إن المعلم صاحب دعوة ورسالة يؤديها وهي إنقاذ الناس وتوصيل مفاهيم الإسلام لهم بأفضل صورة ينبغي أن يكون محباً لهذا العمل فخوراً به ولوعاً بما ينجح وبما ينجز لارتباط ذلك بالأجر الأخروي ، بل هو سبب سروره في الدنيا ، فمعلم القرآن الناجح هو الذي يؤمل كل خير في عمله لأنه واثق بما يدخره الله في الآخرة من وراء تعليمه للقرآن علماً وفهماً وعملاً ، لذا تراه لايضجر من مزعجات العمل ولايسأم من العقبات ولا يمل من المثابرة ، بل يضجر من الفراغ ويحاول أن يبتكر ويبدع لأن الرغبة موجودة والقناعة مركوزة في سويداء قلبه .
         ز - الصبر على المتعلم
إن الصبر نصف الإيمان فالصبر يحتاجه كل ناجح في حياته ، لذا فالمربي المعلم يحتاجه بشكل أدق لأنه يواجه نفوساً لها أبعاداً كثيرة ومسالك عميقة وشرائح متعددة من الطلاب ، فالمربي يحتاج لكل إنسان مفتاحاً خاصاً لشخصيته يختلف
عن غيره فمشارب الناس تعددت وتكاثرت وتأثيرات متنوعة انتشرت ودمرت وملهيات ومغريات تكاثرت وتفننت وسموماُ فكرية غزت وتوسعت ، لذا نحتاج إلى أن  يتمثل الصبر على هيئة رجل داعية حكيم مربي معلم لأن المعلم سيواجه صعوبات لاسبيل إلى دفعها إلا بالإخلاص أولاً ثم بالصبر ثانياً وأن المعلم الذي ينفعل ويغضب كثيراً ولايصبر على المتربي فإنه يفقد كثيراً من المصداقية في تعليمه وينعدم دوره التربوي داخل الحلقة بل ويصبح أضحوكة في الناس فينفضوا عنه الناس ( ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك ) 36  بالإضافة إلى حاجة معلم القرآن إلى  الصبر على نفسه في مواجهة الصعوبات ( لأنه يعمل في ميدانين ميدان نفسه يجاهدها ويحملها على الطاعة ويمنعها من المعصية ، وميدان خارج نفسه هو ميدان التربية والتعليم ومخاطبة المتعلمين ، أما إذا فقد الصبر من حياة المعلم قعد أو انسحب من الميدان وحق عليه الحساب وفاته الثواب ) 37   إن الله طلب من الأنبياء والدعاة أن يتصفوا بكافة أنواع الصبر وأعلاها حتى يقدروا أن يبلغوا دعوة الله ( وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها ) 38     ( وزيادة المبنى تدل على زيادة المعنى ) فالاصطبار أعمق وأدق من الصبر .
إن الغثاء الذي عم والبلاء الذي طم والفساد الذي استشرى والفوضى والاضطراب الذي ضرب أطنابه والانحلال الخلقي الموجود في قطاعات كثيرة من الناس لينبه على أهمية المربي الصبور حتى يقدر على تحقيق الهدف المنشود لأن المعلم إذا ( لم يحلم ويصبر كان مايفسد أكثر مما يصلح ) 39 . والعلم يأتي بالتعلم والصبر يأتي بالتصبر ( ومن يتصبر يصبره الله ) 40   .
          ح – الرفق بالمتعلم
لرفق هو لين الطبع وثمرة الصبر وزينة المعلم الناجح وعلامة الداعية الموفق ، لأن الله أودع  في النفس ميلاً إلى اللين السهل الرفيق ، ثم إن اللين والسهولة والمرونة في التعامل وتقبل الآخرين وسماع آرائهم هو المفتاح للدخول إلى نفوسهم وتغييرها ( إن الرفق لايكون في شيء إلا زانه ، ولا ينزع من شيء إلا شانه ) 41  والرفق مطلوب لأن أحوال الناس متقلبة تحتاج من المعلم التفهم والتحلم ومراعاة الفــروق الفردية ، فالطالب قد تمر عليه ظروف مثل قلة الفهم وضعف الحفظ وانصراف الذهن أو انشغال في اختبارات المدارس  ، فالحليم  لا يستعجل ولا يوبخ و لا يسخر أو يقارن بالآخرين أو ينتصر لنفسه أو لرأيه بتسفيه آراء غيره ولا يتسرع في إطلاق الأحكام ، لأنه إن فعل ذلك سقط من أعين طلابه إلى الحضيض فيسيء بذلك إلى نفسه وإلى ما يربي ويعلم ، أما المعــلم الرفيق يولد في نفوس طلابه الهمة في الحفظ والحياء من التقصير وإجلال العلم وتوقير معلمه أيما تقدير ، فالرفق علامة على علو الهمة ورجاحة العقل ورزانة النفس وثقة بالعمل ودليل صدق اللهجة وسلامة الطوية فالمتعلم حينما يشعر ( بعطف معلمه عليه وبرفق معاملته له يكسبان المتعلم الثقة بالنفس ويشعرانه بالاطمئنان إلى معلمه فيساعده هذا الشعور على تحصيل العلم بسهولة أكثر ) 42  والمعلم المربي يتعامل مع نفوس واقعية ولا يصادم سنن الله الكونية فالنفس تكسل وتنشط وتنخفض وترتفع
  فتحتاج في حالة الكسل إلى من يرفعها بحنان ولايوبخ بقسوة وهذا ما عبر عنه قول نبينا صلى الله عليه وسلم ( من يحرم الرفق يحرم الخير ) 43  فماذا بعد أن يحرم المعلم من الخير ماذا سيقدم ؟؟ .
         ط – التواضع بالمتعلم
وهو إشعار المتعلم أنك قريب منه ، فإذا شعر المتربي بقرب معلمه منه أحبه وتلقى منه العلم والتربية ، والنفس البشرية تميل بطبعها إلى القريب منها وتنفر من البعيد عنها الذي يصطنع الحواجز ويتعالى على الناس ، فإذا كان الله قد أمر الأنبياء وهم أعلى مرتبة في البشرية أن يتواضعوا فكيف يتكبر معلم على تلميذه ، بل إن الله أمر المعلم بالتحديد أن يتواضع لتلميذه ( تعلموا العلم وعلموه للناس وتعلموا له السكينة والوقار وتواضعوا لمن تعلمتم منه ولمن علمتموه ولا تكونوا جبابرة العلماء فلا يقوم جهلكم بعلمكم ) 44  بل إن الله جعل من موجبات حبه للمعلم إذا تواضع وجعل من موجبات بغضه للعالم إذا تكبر بعلمه ( إن الله عز وجل يحب العالم المتواضع ويبغض العالم الجبار ) 45 بل إن الإسلام حرم الكبر وجعل من موجبات الحرمان من الجنة ( لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر ) 46  ومن ناحية اجتماعية فإن الناس تكره المتكبر بل وتقلل من شأنه ولاتقبل منه أي أمر ، والعكس بالعكس فإن الناس تحب المتواضع وترفع من قدره وتقبل منه كل شيء مصداقاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم ( ما تواضع أحد لله إلا رفعه ) 47 ، لذا فالمعلم المربي الذي يتصدر للتوجيه والإرشاد وتحفيظ القرآن متواضع مع طلابه ومع أقرانه حتى يكون قريباً من الله ومن الناس مؤثر نافع مأجور من الله غير مأزور .
         ي– العدل بين المتعلمين
أي المساواة في التعامل بين المتعلمين يقول الله عز وجل ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان ) 48  بل إن الأمر موجه لنا بأخص وأدق من ذلك ( اتقوا الله واعدلوا في أولادكم ) 49  فالمتربي ينظر إلى عدم العدل في المعلم على أنها جريمة وبالتالي لا يمكن أن يتقبل منه شيء لأن مشاعر الكره كلها تحركت تجاه المعلم ، وغالباً ما يبني الطالب تلك النظرة من موقف عدم التساوي في الهدية أو الاهتمام أو النظرة أو توزيع الأسئلة أو نوبة القراءة أو التقويم التربوي أو العقوبة أو الرد على الأخطاء .. وغير ذلك كثير ، فليحذر المعلم ولينتبه أن كل شاردة وواردة مرصودة على أعلى مستوى وأقوى من أي راصد آلي ، حتى لا يوغر صدورهم بعضهم على بعض وتتحرك كوامن الحقد والتنافس السلبي ويعوق عملية التعليم لأن ذلك يسبب الوحشة والنفور ويفقد بذلك المعلم أهم عامل من عوامل التلقي والقبول وتضعف العلاقات الاجتماعية بينهم ويعد من الظالمين لذا  ( المعلم إذا لم يعدل بين الصبية كتب من الظالمين ) 50 بل ومن الخائنين ( وليجعلهم بالسواء في التعليم الشريف والوضيع ، وإلا كان خائناً ) 51   لذا استحق المعلم العادل أن يكون من خيار الناس ( لأن الخيار من الناس عدولهم ) 52  وماذلك إلا للأثر الإيجابي المترتب على العدل .
3 - نماذج من سير السلف الصالح في تعليم القرآن
    - وردت أحاديث كثير جداً في حرص الصحابة والسلف على تناول القرآن قراءة وتلاوة وتعلماً وتعليماً فورد اهتمام الرسول صلى الله عليه وسلم بتعليم القرآن لأهل الصفة ، فقد روى أنس رضي الله عنه قال : (  أقبل أبو طلحة يوماً فإذا النبي صلى الله عليه وسلم قائم يقرئ أصحاب الصفة ، على بطنه فصيل من حجر يقيم بها صلبه من الجوع ) 53  .
  -  وكان الصحابة يستغلون أوقاتهم في الإقراء ( كنت أقرئ عبد الرحمن بن عوف ذات ليلة ونحن بمنى ..) 54  ، وهذا عبادة بن الصامت يتحدث عن افتتاح حلقة القرآن الكريم في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ( علمت أناساً من أهل الصفة الكتاب والقرآن ) 55  .
    - وورد إقراء الصحابة وتعليمهم بعضهم بعضاً ( خرج علنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نقترئ – أي يقرئ بعضنا بعضاً – وفينا الأعرابي والعجمي ، قال فوقف علينا يستمع فقال اقرءوا فكل حسن ) 56  فمتابعته لهم وإقراره لهم من صور الاهتمام والتشجيع  .
    - وورد الاهتمام بالصوت الحسن والاستماع إليه ، فقد أبطأت عائشة رضي الله عنها بعد العشاء ذات مرة فلما جاءت قال صلى الله عليه وسلم : ( أين كنت ؟ قالت كنت استمع قراءة رجل من أصحابك لم أسمع مثل قراءته وصوته من أحد ، قالت : فقام ، فقمت معه حتى استمع له ، ثم التفت إلي فقال : هذا سالم مولى أبي حذيفة ، الحمد لله الذي جعل في أمتي مثل هذا )57  ،
   - وورد حفظ الصغار للقرآن واهتمام الناس بذلك واهتمام الرسول صلى الله عليه وسلم أيضاً ، عن زيد بن ثابت قال : (  أتي بي عند مقدمه صلى الله عليه وسلم المدينة فقالوا : يارسول الله هذا غلام من بني النجار ، وقد قرأ مما أنزل عليك سبع عشرة سورة ، فقرأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعجبه ذلك ) 58  وورد تشجيع الرسول صلى الله عليه وسلم كأحد عوامل الحفز حيث قال ( إني لأعرف رفقة الأشعريين بالليل حين يدخلون ، وأعرف منازلهم من أصواتهم بالقرآن بالليل ، وإن كنت لم أر منازلهم حين نزلوا بالنهار ) 59   فأثنى عليهم والموقف أمام غيرهم ليتأسوا بهم ، ويبين لهم رضاه بما يصنعون .
- وورد أيضاً هذا الثناء العطر وهذا الإقرار الطيب وإعطاء الدافعية الإيمانية لأبي موسى حين قال له وهو راض عنه ( لو رأيتني البارحة وأنا أستمع لقراءتك ، لقد أعطيت مزماراً من مزامير داود ) 60
-    وباستخدامه صلى الله عليه وسلم لأنواع الحفز امتلأ مسجده بحلقات القرآن تحت إشرافه مباشرة وكان يلحق المتعلم بالمعلم ويختاره له ، فعن عبادة بن الصامت قال ( كان الرجل إذا هاجر دفعه النبي صلى الله عليه وسلم إلى رجل منا يعلمه القرآن ، فدفع إلي رسول الله رجلاً فكنت أقرئه القرآن ..) 61   فكان يضطر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يأمرهم بخفض أصواتهم لكثرة قراءتهم للقرآن لئلا يتغالطوا  .

وقد تأسى سلف الأمة وخلفها بتحفيظ الأولاد القرآن الكريم منذ الصغر ، بل أصبح واجباً من واجبات التربية ، يقول ابن خلدون ( تعليم الوالدين للقرآن شعار من شعائر الدين ، أخذ به أهل الملة ودرجوا عليه في جميع أمصارهم ) 62    
     - ومن تشجيع الرسول صلى الله عليه وسلم للناس أن يتعلموا القرآن بإقبال وحماس حين رحل ابن مسعود إلى الكوفة قال الرسول صلى الله عليه وسلم ( من أحب أن يقرأ القرآن غضاً طرياً كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد ) 63   ، يالروعة هذا التشجيع والثناء مما دفع به إلى التعلق بالقرآن أيما تعلق فقال في أحد المواقف ( والذي لا إله غيره ، ماأنزلت سورة من القرآن إلا أنا أعلم أين تزلت ، ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا أنا أعلم فيمن نزلت ،
وما أحد أعلم بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه ، وما أنا بخيركم ) 64   ، فانكب عليه الناس يقرؤون بنهم وشوق ويتمنوا أن يلازموه تماماً .
-     وكان يعبر الرسول صلى الله عليه وسلم عن حبه لمن يقرأ القرآن ويتعلمه ويعلمه فبعد نزول ابن مسعود الكوفة وبتشجيع الرسول صلى الله عليه وسلم لحلقات القرآن أصبح للكوفة دوي مثل دوي النحل بالقرآن إقراء وتلقيناً ومدارسة وتفسيراً ، حتى روي عن علي رضي الله عنه لما سمع تلك الضجة قال ( ما هؤلاء : قالوا قوم يقرأون القرآن ، قال : طوبى لهؤلاء ، اما إنهم كانوا أحب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ) 65 ونلاحظ أنه قد يخطر ببال بعض المعلمين أن إقراء القرآن لا يحتاج إلى حوافز ولا إلى هدايا ولا لإسماع الطالب عبارات التقدير والثناء على الإنجاز أو تعزيز خصال الخير فيه ، وأحياناً إذا أعطي المعلم لطالبه عبارة الثناء قد لا يرى المعلم كتابتها وإثباتها في دفتر الطالب ، وأحياناً قد يثني المعلم على الطالب و لا يتفاعل المعلم مع الموقف إيجابياً ويبخل بابتسامة المحب الحريص المقدر للجهد ، وقد يعطي نفس عبارة الثناء للجميع فيذهب بريقها وخصوصيتها للمنتج ، وقد يعد المعلم بالحافز والتقدير للمنتج ولا يوفي .
-     وأحب أهل الكوفة ابن مسعود حباً جماً لا لأنه يحفظ إنما لأنه يربي ويعلم ويفسر  ، حدث تلميذه مسروق عن ذلك المنهج فقال ( كان عبد الله يقرأ علينا السورة ثم يحثنا فيها ، ويفسرها عامة النهار )  66   فكان يفقههم في الدين ويعلمهم تفسير الآيات ويربيهم عليها ويتعايش معهم فيها .
ـ وابن مسعود يتابع بنفسه الحلقات التي أنشأها ويختبرهم أحياناً ويختبر نفسه معهم ويعلم ويوجه ،(  فكان إذا أصبح أتاه الناس فيقول : على مكانكم ، ثم يمر بالذين يقرئهم القرآن ، فيقول : أيا فلان بأي سورة أتيت ؟ فيخبره في أي آية ، فيفتح عليه الآية التي تليها ، ثم يقول  : تعلمها فإنها خير لك مما بين السماء والأرض ) 67  .
ـ أما البصرة فقد نزلها أبو موسى الأشعري معلماً للقرآن يدير أولى حلقاتها فيها ويتابعها بنفسه عن قرب وشهد له عمر بن الخطاب بالذكاء والفطنة من كثرة اهتمامه بالقرآن تحفيظاً وتربيةً ، أخرج ابن سعد عن أنس بن مالك قال : ( بعثني الأشعري إلى عمر فقال عمر : كيف تركت الأشعري ؟ فقلت له : تركته يعلم الناس القرآن فقال : أما إنه كيس ، ولاتسمعها إياه ) 68  .

ـ ومرة أخرى مع المربي المعلم المحفظ ، وصورة أخرى من الاهتمام بالدافع الإيماني في المحافظة على الفهم والقرآن والعمل والتقوى ، روى أبو الأسود الدؤلي عن أبيه قال : بعث أبو موسى الأشعري إلى قراء أهل البصرة ، وقال : لا تدخلوا علي إلا من جمع القرآن ، قال : فدخلنا عليه زهاء ثلاثمائة ، فوعظنا ، وقال أنتم خيار أهل البصرة وقراؤهم فاتلوه ، ولا يطولن عليكم الأمد ، فتقسو قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم ) 69  نلاحظ تخصيص الحفاظ بمزية حتى يحفز غيرهم ويكرمهم ، ثم نلاحظ الحفظ المقرون بالتربية ، كما نلاحظ حب وشفقة المربي على الإخلاص والانتباه ألا يغتروا بما عندهم بنسيان الأجر الأخروي ، كما نلاحظ أن البصرة نزلها علي وأنس فأثمرت جهودهم تعليم كثير من الحفاظ من التابعين مثل أبو العالية وأبو رجاء ونصر بن عاصم ويحيى بن يعمر والحسن البصري وابن سيرين وقتادة ، وغيرهم كثير  
-    وكان ممن أرسل إلى بيت المقدس عبادة بن الصامت أرسله عمر رضي الله عنه ، كما نزل دمشق أبو الدرداء في خلافة عثمان رضي الله عنه ( وهو أحد السبعة الحفاظ في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وكان يجعل الناس عشرة عشرة ، وعلى كل عشرة عريف ويقف هو في المحراب يرقب العمل ، حتى وصل بهذه الهمة والمتابعة ( ألف وستمائة ونيف ) 70 .
وروي كثير عن الصحابة والتابعين والسلف الصالح الاهتمام البالغ في متابعة تحفيظ القرآن المقرون بالوعظ والتربية لأن الذي يحفظ القرآن إذا لم يعرف الحافز الأخروي وما أعد الله لمن يحفظ ويفهم ويعمل بالقرآن لا يمكن أن يقضي هذا الجهد الذهني الكبير في ذلك .
4 - الدور التربوي لمعلم الحلقة القرآنية
        إن معلم القرآن لا ينحصر عمله في كونه محفظاً ( آلة رد ) بل هو في مكانة دينية ، بل إن عمله عبادة ، فالتربية عبادة وهو عمل شرعي ديني ، كان الصحابة يتعلمون عشر آيات فإذا عملوا بها انتقلوا إلى التي بعدها ، إن المعلم مؤتمن على الطالب أن يربيه على الأخلاق الفاضلة والآداب الإسلامية ، فالإسلام دين العمل ولا فائدة بقول دون عمل ،  لا نريد للطالب أن يكون آلة يردد ما لا يفهم ، إن الطالب إذا لم تملأ ذهنه وفكره بالأخلاق الحسنة فسوف تملأ بالأخلاق الفاسدة وشياطين الإنس والجن له بالمرصاد ، إن الطالب عندك أمانة وسوف تسأل عنها يوم القيامة  ( إن الله سائل كل راع عما استرعاه أحفظ أم ضيع ) 71  ، ثم إن أجر المعلم الذي حدده لنا الحديث الشريف ( خيركم من تعلم القرآن وعلمه ) 72  لأن في تعليمك القرآن تحفظ وتربي وتهدي بإذن الله أناساً إلى طريق الفلاح وإلى الإيمان والتقوى ( لئن يهدي بك الله رجلاً واحداً خير لك مما طلعت عليه الشمس ) 73  والأجر على قدر المشقة وبحصولك على المؤمن الصالح وباستمرارية الخير والتعليم والدعاء لك بظهر الغيب باستمرارية تناقل وانتشار الهدى والخير والفضيلة في التعليم والتربية ، هذا كله إن كان متابعة معلم القرآن لطلابه متابعة دينية أخلاقية وتجنيباً لطلابه من مزالق الهوى وإعطائهم
  الدوافع الإيمانية والأخروية بأن يؤمنوا أن ما عند الله خير وأبقى فلا يفكر الطالب أن يضل أو يزل ،  فالتربية في جوهرها عملية أخلاقية وعبادة شرعية وهي لازمة لمعلم القرآن حتى يحصل على تلك المكانة العلية ، وحتى يعذر أمام الله في عمله وأمانته .
5 - أثر هذه المقومات على الطالب وعلى الحلقة
         المربي الذي امتلك هذه المقومات التأهيلية ليكون معلماً مربياً هو الذي يقوم بعملية التفاعل التربوي على أتم وجه فيتم بذلك الاقتناع والتجاوب النفسي بينه وبين المتعلم يؤدي عنها استجابة الطالب المعرفية والسلوكية فإذا قام معلم القرآن صاحب  المقومات الشخصية الفاضلة المؤثرة التي تجذب الطلاب ثم المقومات المعرفية اللازمة لخطابهم ، ثم المقومات التربوية التي استطاع من خلالها إنقاذهم من الجهل أو الغفلة أو كليهـما إلى الـنور والهدى ، يكون بذلك أدى الدور المنوط به حق القيام وبالتالي دخل في

زمرة ( خيركم من تعلم القرآن وعلمه ) 72  علمه بشكل صحيح وفعلي وعملي وبالتالي سيستمر الأجر ما استمر الدعاء له من طلابه وممن يعلمون ومن استغفار الملائكة له وساهم في نشر دعوة الله عز وجل وساهم في بناء جيل قرآني قوي ،

6 - معوقات تواجه المعلم في تحقيق الأهداف التربوية
1 – قلة وجود المربي المعلم .
2 – قلة أجر المعلم .
3 – قلة حافز المعلم المتقن المربي والذي يخرج طالباً فاهماً .
4 – الاهتمام بالكم لا بالكيف .
5 – كثرة عدد طلاب الحلقة ، وبالتالي عدم وجود الوقت الكافي للمعلم أن يقوم بدوره التربوي .
6 – عدم استحضار النية والأجر الأخروي .
7 – ضعف مكانة المعلم وزهد الناس به .
8 – انشغال الناس والانصراف عن العلوم الشرعية .
9 – ضعف وصول الخطاب الديني لكافة شرائح المجتمع  .
10 – عدم تفهم نفسيات المراهق وبالتالي عدم إمكانية التأثير .
11 – عدم اهتمام المعلم برفع سقف معلوماته التربوية .
12 – عدم توفير الدورات التربوية الدورية المركزة .
13 – انحصار الإشراف على الناحية الفنية الشكلية وإهمال الناحية العلمية .
14 – ضعف من يتابع المعلم في الناحية العلمية أو التربوية

7 - أساليب وطرق علاجية مقترحة للتغلب على المعوقات
1 – الاهتمام بإعداد المعلم ابتداءً ، فلا نريد أن يعين المعلم ثم نبحث عن كفاءاته لأنه يصعب في ظروف الحياة أن يعطي المعلم جزءاً من وقته للدورات ، أو على الأقل أن يكون عنده الإمكانيات لتطوير نفسه وأن يرتقي بأساليبه مع الطلاب
2 – قلة أجر المعلم تمنعه حقيقة أن يبدع أو أن يفكر بالتربويات أو أن يصبر على صعوبات العمل ، فالمعلم الذي يشغل ذهنه الاحتياجات الأساسية في دنياه كيف نطالبه أن يتفرغ ويقرأ ويحضر الدورات التدريبية .
3 – إن الحافز يحرك همم الناس لماذا لا نتابع المنتج ويعطى الحافز وفق شروط معروفة ، فيواصل المنتج ويتحرك الثاني .
4 – ما زال في متابعاتنا للتحفيظ في الحلقات نهتم بكمية الحفظ فقط لذا نحتاج أن ينص على الدروس التنشيطية للحفظ ولاستيعاب الشباب ، وإذا عرفنا شخصاً يؤثر في الشباب وعظاً وإرشاداً نستمسك ونعض عليه بالنواجذ ، لأن مازال خطابنا موجه لشريحة واحدة من الناس .
5 – عدم زيادة طلاب الحلقة على (15) كحد أقصى حتى يتسنى للمعلم أن يتابع الحفظ والمراجعات .
6- استحضار الأجر الأخروي للمعلم وتوضيح هذا الجانب وإعطائه جانباً من الأهمية حتى يسلم المعلم من الرياء  .
7 – إن ضعف الاهتمام بالمعلم وضعف دخله نضعف من مكانته من حيث لاندري ، كما أن اختيار المعلم ابتداءً من ذوي الشخصية القوية العفيفة والتربوية والاهتمام الجاد ، كل ذلك يعكس عند الناس المكانة المطلوبة .
8- 9  – نحتاج إلى تكثيف الجهود وتضافرها إعلامياً وكتابياً واهتماماً وتقديم خدمات للناس ودعوتهم إلى الخير وتقديم خدمات للأهالي ، حتى نقدر على إيصال خطابنا المؤثر والمتنوع وحتى يمكن من جذب الناس إلى الإسلام والاهتمام بالعلوم الشرعية وتقديمها بصورة سهلة مبسطة .
10 – نحتاج إلى مدارسة الناحية النفسية والفكرية والتربوية للطفل والمراهق ونعرف المدخل لكل مرحلة عمرية ولكل نوع من الأمزجة حتى نقدر على التأثير والتربية .
11 – نريد أن نقنع المعلم بضرورة التربية والدعوة والحرص على الأبناء لبناء جيل قوي متماسك قوي الإيمان قوي الخلق ، فإذا وجدت القناعة لدى المعلم سيبحث عن الدورات والمعلومات من بطون الكتب ويسأل حتى يصل إليها
12 – توفير الدورات التخصصية (  التجويد / مهارات تعليم القرآن )  ( دعوة / تربية / فن التعامل مع النفس / فن التعامل مع الآخرين ….. ) وللعلم فإن هذه الدورات بدأت تتنامى وتأخذ شكلاً طيباً في جدة فالدورتين المذكورتين أعلاه موجودة في جمعية جدة والباقي متوفر في مراكز التدريب في جدة .  
13 – نحتاج الإشراف على الحلقات أن يراعى جانب التربية والكيف بالإضافة إلى الكم .
14 – نحتاج إلى أن يكون الذي يتابع المعلم أعلى رتبة علمية وتربوية من المعلم ويكون قد عمل معلماً فترة زمنية طويلة بحيث يعرف معاناة المعلمين واحتياجاتهم ، فقد يقال أنه من خلال الأوراق يمكن أن يقف المتابع على كل المطلوب ، إنما ليس من رأى كمن عانى ، فإذا طالبنا المعلم بحضور خمس دورات فبجب أن يكون المتابع قد حضر ضعفها قبل ذلك ، حتى يؤدي واجبه حقه .
[/ALIGN]
[/CELL]
[/ALIGN]

زيارات تعليقات
تقييمات : [0]
2726 0
عرض الردود
شاركنا رأيك

الحقوق محفوظة لمؤسسة الفرقان لتحفيظ القرآن