الإثنين 22 / 10 / 2018 - 02:42 مساءً    بتوقيت القدس الشريف
   
ذات صلة
   
   

   

مقالات الفرقان
   

اصدارات الفرقان
   

مقالات الإعجاز
   

تابعنا على Facebook
 
 
التأهيل بين النظرية والتطبيق
مؤسسة الفرقان لتحفيظ القرآن - - الأحد 22 / 03 / 2009 - 11:42 صباحاً
بسم الله الرحمن الرحيم
التأهيل بين النظرية والتطبيق
د. يحي بن إبراهيم اليحي

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وبعد:

فالتأهيل: تهيئة المستفيد وإعداده للانتقال من مرحلة الاعتماد على المساعدات على الاعتماد على النفس. وتأهيل النفس والروح هو أساس كل تأهيل، فإذا كانت النفس زاكية حيية نفعها أدنى تأهيل وتوجيه باستثمار طاقتها وتشغيل قدراتها، ورضيت بالقليل من الكسب مقابل أن تبقى لها عزتها وكرامتها.

أما النفوس الدنيئة فتركن إلى الدعة والكسل، وتفضل الطرق المهينة والملتوية في تحصيل ما تريد ولو كان ذلك مقابل عزتها وكرامتها.

وقد وعى كثير من العاملين في العمل الخيري هذا الجانب وأولوه عناية فائقة، وأصبح تأهيل المستفيد هو التوجه العام لدى الجهات الخيرية، فإعطاء المستفيد الفأس ليحتطب ليس كإعطاء سلة تمر ليأكلها (وتعليمه صيد سمكه أفضل بكثير من إعطائه مجموعة من السمكات).

أصل التأهيل وغايته:
وبعد البحث الميداني وسبر أحوال المستفيدين وجد أن أصل التأهيل والغاية منه تكمن في حفظ ماء الوجه أولاً. إذ أن من أراق دم وجهه وامتهن المسألة سواء عن طريق الأفراد أو الجهات الخيرية يستمرئ هذا العمل ويعتبره مهنة له، يصعب عليه تركها والتحول إلى العمل والاحتراف، وليت الأمر اقتصر على رب الأسرة فقط بل إن هذه المهنة تنعكس بالذلة والمهانة على سائر أفراد الأسرة من بنين وبنات.

ونحن حين نهمل شريحة المحتاجين ونغفل عنهم حتى نلجئهم إلى المسألة ومراجعة الجهات الخيرية بطلب المساعدة، نكون قد ساهمنا في تسهيل مهنة التسول وتعمدنا إراقة ماء وجه المحتاج، فإن الملاحظ أن كل محتاج يقدم إلى جهة خيرية لأول مرة بطلب المساعدة تجده غالبًا متنكرًا متلثمًا مستحييًا، ومرة بعد أخرى تزول عنه تلك الصفات ويصبح ممتهنًا للتسول لا يتأثر من رؤية الآخرين له في الجهات الخيرية.

ولقد جاءت نصوص الشريعة بالترغيب في إخفاء الصدقة والستر على الفقير، قال الله تعالى: {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}(1) أشار بعض المفسرين إلى أن الآية أولت أهمية لإخفاء الصدقة على الفقراء، وأنه مقدم على إعلانها(2).

ورُتب على إخفاء الصدقة فضلٌ عظيم ودرجةٌ رفيعة، حيث نال صاحبها منزلة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، فقال صلى الله عليه وسلم: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَدْلٌ وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ وَرَجُلاَنِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ»(3).

وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «والله ليأتين الراعي في اليمن حقه من هذا المال ودمه في وجه».

وكان عمل السلف الوجه التطبيقي والعملي لهذه النصوص، فعلي بن الحسين رحمه الله، لم يعلم أهل المدينة بأنه هو المتصدق على بيوتات الفقراء حتى مات، إذ كان يأتيهم ليلاً خفيةً فيضع الطعام على عتبات أبوابهم.

وعامر بن الزبير رحمه الله كان يضع الدنانير في أحذية القراء وهم يصلون، فلما سئل لماذا لا تعطيهم بنفسك أو ترسل بها خادمك؟ قال: «أخشى أن يلقاني أحد منهم فيتمعر وجهه».

وقد وقع لبعض تجار الأندلس عند غلاء الأسعار أن جاءه الناس يسألونه فقال: «خذوا بالدين»، فلما أخذوا أسقط عنهم الديون في ما بعد. فلما سئل قال: أخشى أن يأنف بعض المحتاجين من الصدقة. فهو لا يريد أن يحرج صاحب المروءة، ولا يأخذ غير المحتاج لأنه بيع، ولا يأخذ أحد أكثر من حاجته فهو دين عليه.

وقال سعيد بن العاص لابنه عمرو: «يا بني أخزى الله المعروف إذا لم يكن ابتداء عن غير مسألة. فأما إذا أتاك تكاد ترى دمه في وجهه مخاطرًا لا يدري أتعطيه أم تمنعه فوالله لو خرجت له من جميع ما تملكه ما كافأته»(4).

ومن التطبيقات المعاصرة الخاطئة:

1- أي إراقة لماء الوجه أشد من ممارسة بعض الجهات الخيرية للتصوير أثناء تسليم المعونات والمساعدات للمستفيدين، وحفظ تلك الصور في إرشيفها، فبقاء تلك الوثائق في الإرشيف عار عليه وعلى ذريته من بعده، فيما أراه.

2- الملاحظ أن الجهات الخيرية تُعَرِّف المستفيد بأنه «من تقدم للجهة الخيرية بطلب مساعدة» وهذا هو التسول المنظم كما يقال.

والحقيقة أن تقدم المحتاجين للجهة الخيرية يسبب لها مشاكل عديدة إدارية ومالية، لأن ذلك يتطلب جهاز استقبال مع خبرة في معرفة الناس والتفريق بين الصادق والمحتال، ثم إن هذه الطلبات تخضع لحسن العرض والقدرة على التمثيل والبكاء والخداع. وقد يتسبب تكاثر وتجمهر الفقراء وغيرهم على أبواب الجهات الخيرية، في زرع الخلاف وأحيانًا الشجار في الجهاز الإداري للجمعية، إذ أن من العاملين من تسيطر عليه عاطفته وتغطي على تفكيره وعقله، فإذا رأى رجلاً أو امرأةً تبكي وتتأوه عند بوابة الجمعية تأثر بذلك فعند أول اجتماع يرى أن يبدأ بحل هذه المشكلة، على حين أن زملاءه يرون أن هذا من صور المخادعة والاحتيال، فيتراشقون بالكلمات بأن هذا لا إحساس له وليس في قلبه رحمة...و.. و..

والذي أقترحه على الجهات الخيرية، أن تتعامل بهذا الشعار: «الفقير نعرفه ولا يعرفنا، نأتيه ولا يأتينا». وفي هذا حفظ لماء وجه المستفيد، وقطع للمشاكل والاتهامات عن الجهة الخيرية، وتوفير للطاقات الإدارية والثروة المالية. ولا شك أن هذا يتطلب كمًا كبيرًا من الباحثين المتطوعين، وهذا مقدور عليه بإذن الله لكثرة الراغبين في المشاركة في أعمال الخير والبر، وبخاصة إذا قضت الجمعية على الجوانب الإجرائية في صرف المعونات للباحثين الذين سيقومون بدورهم بتوزيعها على الأسر التي يقومون على رعايتها ومتابعتها، مع تفويضهم ببعض الصلاحيات التي تليق بهم. والله الموفق.

وسائل التأهيل:

لم يعرف المجتمع المسلم البطالة في عموم فترات تاريخه، حيث هيأ النفوس ورغبها في العمل والاحتراف، وفتح للمسلم جميع أبواب العمل، وألغى عنه جميع القيود والشروط التي تعيق العمل ما دام العمل حلالاً في نوعه وطريقة كسبه.

وإن العالم اليوم بحاجة ماسة إلى قراءة التاريخ الإسلامي في جانبه العملي والحضاري؛ ليستخلص تلك الأساليب والوسائل التي غدا معها كل فرد في المجتمع الإسلامي عاملاً ومنتجاً، لا يعرف الاعتماد على الآخرين، ولا يخطر بباله أن يترك العمل ليمدّ يده إلى غيره، حتى وجد في بعض فتراته استغناء تام عن الزكاة. ومن خلال الاستقراء السريع للمنهج الإسلامي تبين لي أن هناك وسائل مباشرة ووسائل غير مباشرة في تهيئة المجتمع عامةً للعمل.


الوسائل المعنوية أو غير المباشرة:

قرر الإسلام وسائل كثيرة كانت بمثابة تهيئة المجتمع كله للعمل حتى لا يبقى عاطل إلا من كان عاجزا قد أعاقه المرض أو الشيخوخة. ومن تلك الوسائل:

أولاً: شدّد الإسلام على المسألة وقبّحها وغلظ على من امتهنها، ولم يأذن بها إلا في ثلاث حالات مؤقتة:

عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ الْهِلاَلِيِّ قَالَ تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْأَلُهُ فِيهَا فَقَالَ: «أَقِمْ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا قَالَ ثُمَّ قَالَ يَا قَبِيصَةُ إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لاَ تَحِلُّ إِلاَّ لأَحَدِ ثَلاَثَةٍ رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا ثُمَّ يُمْسِكُ وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ أَوْ قَالَ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُومَ ثَلاَثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ لَقَدْ أَصَابَتْ فُلاَنًا فَاقَةٌ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ أَوْ قَالَ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ فَمَا سِوَاهُنَّ مِنْ الْمَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتًا يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا»(5).
وقال صلى الله عليه وسلم: «لا يفتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر»(6).

وعن يحيى بن أبي كثير: أنَّ رجلاً أتى ابن عمر فسأله، فقال: «إن كنت تسأل في دمٍ مفظع، أو غرم موجع، أو فقر مدقع، فقد وجب حقك، وإلاَّ فلا حقَّ لك». قال: ثم أتى الحسن بن علي، فقال له مثل ذلك(7).

وعن عروة، عن أبيه، عن عبيد الله بن عدي بن الخيار، أنَّه حدَّثه رجلان، فحدث عنهما قالا: «جئنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، والناس يسألونه الصدقة، فزاحمنا عليه الناس، حتى خلصنا إليه، فسألناه من الصدقة فرفع البصر فينا وخفضه، فرآنا جلدين، فقال: إن شئتما فعلت، ولا حظَّ فيها لغني ولا لقوي مكتسب»(8).

وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من أحد يسأل مسألة، وهو عنها غني، إلا جاءت يوم القيامة كدوحًا، أو خدوشًا، أو خموشًا، في وجهه. قيل: يا رسول الله، وما غناه أو ما يغنيه؟ قال: خمسون درهماً، أو حسابها من الذهب»(9).

وقد ذكر بعض الفقهاء أن من حق ولي الأمر أن يؤدب كل صحيح قادر على التكسب يريد أن يعيش عالة على الآخرين وهو يجد عملاً(10).

ثانيًا: حث الإسلام على الاحتراف والعمل ورغب فيه وصغر من شأن من يتهاون به ويتركه استغناءً عنه أو احتقارًا له أو زهدًا فيه:

عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَأْتِيَ بِحُزْمَةِ الْحَطَبِ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَبِيعَهَا فَيَكُفَّ اللَّهُ بِهَا وَجْهَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ»(11).

كان محمد بن سيرين إذا أتاه رجل من العرب قال له: «ما لك لا تتجر؟ كان أبو بكر تاجر قريش»(12).

وعن عائشة قالت: «كان أبو بكر من أتجر قريش حتى دخل في الإمارة»(13).

قال عمر بن الخطاب: «يا معشر القراء ارفعوا رؤوسكم فقد وضح الطريق، فاستبقوا الخيرات، ولا تكونوا عيالاً على المسلمين»(14).

وقال سعيد بن المسيب: «كان أصحاب رسول الله r يتجرون في بحر الروم، منهم طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل»(15).

وعن الهيثم بن جميل قال: قلت لابن المبارك: «أتّجر في البحر؟ قال: اتّجرْ في البر والبحر، واستغن عن الناس»(16).

وعن ابن عمر قال: «إذا لم يرزق أحدكم في البلد، فليتجر في بلد غيره»(17).

لقي رجل الحسن بن يحيى بأرض الحبشة، معه تجارة، فقال له: «ما الذي بلغ بك هاهنا؟ فأخبره، فعذله الرجل. فقال: أكل هذا طلب للدنيا، وحرص عليها؟ فقال له الحسن: يا هذا إن الذي حملني على هذا، كراهة الحاجة إلى مثلك»(18).

قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: «إنِّي لأَرَى الرَّجُلَ فَيُعْجِبُنِي، فَأَقُولُ: لَهُ حِرْفَةٌ؟ فَإِنْ قَالُوا: لاَ، سَقَطَ مِنْ عَيْنِي».

ولقد أثر هذا الترغيب على جميع الأمة حتى انخرط رموزها وعظماؤها في الاحتراف والعمل لكسب الرزق ونسب جمع من عظماء الأمة وعلمائها إلى المهن فكان منهم: القفال والزجاج والخراز والجصاص والخواص والخياط والخباز والصبان والقطان والبزاز والنجار والحذاء والسمان والصواف والخراز والزيات والفراء..

إن انتساب هؤلاء العلماء الأجلاء للحرف أعطى صبغة العزة للحرف جميعًا حتى لم يكد يوجد في المجتمع الإسلامي من ينتقص الحرف، أو يصغر من شأن أصحابها، ولعل هذا من الأسباب المباشرة التي أدت إلى انخراط عامة الأمة في العمل والكسب.

ثالثًا: ردم قنوات الفقر:
ليست مشكلة الفقراء في عدم الكسب أو ضعف الموارد وقلة الدخل فقط، بل تجد كثيرًا من ذوي المسكنة والفقر امتلك يومًا من الأيام أموالاً كثيرةً، أو له كسب لو كان عند غيره لكفاه، ولكن يعاني من سوء التدبير وضعف التوزيع أو الإسراف، ومن هنا جاء الإسلام حاثًّا على حسن التدبير والرفق في المعيشة، ومشددًا على الإسراف والتبذير والإغراق في الكماليات، وراسمًا برامج عملية في الاقتصاد وتوجيه المال وتنظيمه.

فهذا أحد كرماء أهل الإسلام وعظمائهم وشجعانهم وهو قيس بن سعد بن عبادة التاجر المشهور، يضرب أروع الأمثلة في تدبير المال «أتى قوم قيس بن سعد بن عبادة فسألوه حمالة، فرأوه في حائط له يلتقط التمر والحشف، ويميز كل واحد على حدة، فقالوا: ما عند هذا خير. ثم كلموه، فقضى حاجتهم، فقالوا: ما أبعد هذا من فعلك الأول؟ فقال: إنما أعطيكم من هذا الذي أجمع»(19).
عن عبد الله المزني قال: قال رسول الله r: «إذا اشترى أحدكم لحمًا، فليكثر مرقته، فإن لم يصب لحمًا أصاب مرقًا»(20).

وعن سالم بن أبي الجعد أن رجلا صعد إلى أبي الدرداء، وهو يلتقط حنطة، فقال: «إن من فقهك رفقك بمعيشتك»(21).

وقال عمر: «أيها الناس، أصلحوا أموالكم التي رزقكم الله عز وجل، فإنّ إقلالاً في رفق، خير من إكثار في خرق»(22).

وفي المسند عن عبد الله قال: قال رسول الله r: «ما عال مقتصد»(23).

وعن عائشة: «لا جديد لمن لا خلق له»(24).

وقال عمر بن الخطاب: «كفى بالمرء سرفًا أن يأكل كل ما اشتهى»(25).

وينبغي أن يوضع منهج للموازنة بين الدخل والصرف ويربى عليها الناس وخاصة الشباب: وعن عبيد الله بن حميد قال: «مر جدي على عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعليه بردة فقال: بكم ابتعت بردك هذا؟ قال: بستين درهمًا. قال: كم مالك؟. قال: ألف درهم. قال: فقام إليه بالدرة، فجعل يضربه ويقول: رأس مالك ألف درهم، وتبتاع ثوبًا بستين درهمًا؟ رأس مالك ألف درهم، وتبتاع ثوبًا بستين درهمًا».


الأساليب المباشرة في التأهيل:

لقد قرر الإسلام أساليب كثيرة لتشغيل جميع المجتمع، والقضاء على الفقر والعَوَز، حتى وصلت الأمة في طول البلاد وعرضها من أوربا غربًا إلى حدود الصين شرقًا إلى أن يحمل أحدهم همَّ صدقته، كيف يجد من يأخذها منه، كما وقع هذا في عهد عمر بن عبد العزيز وتواترت النصوص بذكره والإشادة به. وإليك بعض هذه الأساليب:

أولاً: تعريف المرء بطاقاته وقدراته، وفتح آفاقه على أبواب الكسب، فقد تنغلق في عين الإنسان أبواب الرزق ويظن أن لا جدوى في العمل والاحتراف فيلجأ إلى المسألة، ولقد أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم درسًا عظيمًا في هذا الشأن.

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَجُلاً مِنْ الأَنْصَارِ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُهُ فَقَالَ: «أَمَا فِي بَيْتِكَ شَيْءٌ قَالَ بَلَى حِلْسٌ(26) نَلْبَسُ بَعْضَهُ وَنَبْسُطُ بَعْضَهُ وَقَعْبٌ(27) نَشْرَبُ فِيهِ مِنْ الْمَاءِ قَالَ ائْتِنِي بِهِمَا قَالَ فَأَتَاهُ بِهِمَا فَأَخَذَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ وَقَالَ مَنْ يَشْتَرِي هَذَيْنِ قَالَ رَجُلٌ أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمٍ قَالَ مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا قَالَ رَجُلٌ أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمَيْنِ فَأَعْطَاهُمَا إِيَّاهُ وَأَخَذَ الدِّرْهَمَيْنِ وَأَعْطَاهُمَا الأَنْصَارِيَّ وَقَالَ اشْتَرِ بِأَحَدِهِمَا طَعَامًا فَانْبِذْهُ إِلَى أَهْلِكَ وَاشْتَرِ بِالآخَرِ قَدُومًا فَأْتِنِي بِهِ فَأَتَاهُ بِهِ فَشَدَّ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُودًا بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ لَهُ اذْهَبْ فَاحْتَطِبْ وَبِعْ وَلاَ أَرَيَنَّكَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَذَهَبَ الرَّجُلُ يَحْتَطِبُ وَيَبِيعُ فَجَاءَ وَقَدْ أَصَابَ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ فَاشْتَرَى بِبَعْضِهَا ثَوْبًا وَبِبَعْضِهَا طَعَامًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَجِيءَ الْمَسْأَلَةُ نُكْتَةً فِي وَجْهِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لاَ تَصْلُحُ إِلاَّ لِثَلاَثَةٍ لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ أَوْ لِذِي غُرْمٍ مُفْظِعٍ أَوْ لِذِي دَمٍ مُوجِعٍ»(28).

ففي هذا الحديث دلائل كثيرة منها:

أنه صلى الله عليه وسلم لم يعالج مشكلة السائل المحتاج بالمعونة المادية الوقتية، ولم يعالجها بالوعظ المجرد والتنفير من المسألة، ولكنه أخذ بيده في حل مشكلته بنفسه وعالجها بطريقة شريفة ناجحة. وهذا ما يسمى تهيئة بيئة العمل.

ثانياً: أعطي الفقير امتيازات في المصالح العامة دون الغني وفتح له أبواب العمل أكثر من غيره، ويكفي أن نذكر هذه القصة من إدارة الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه:

عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اسْتَعْمَلَ مَوْلًى لَهُ يُدْعَى هُنَيًّا عَلَى الْحِمَى فَقَالَ: يَا هُنَيُّ اضْمُمْ جَنَاحَكَ عَنْ الْمُسْلِمِينَ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ مُسْتَجَابَةٌ، وَأَدْخِلْ رَبَّ الصُّرَيْمَةِ وَرَبَّ الْغُنَيْمَةِ، وَإِيَّايَ وَنَعَمَ ابْنِ عَوْفٍ وَنَعَمَ ابْنِ عَفَّانَ، فَإِنَّهُمَا إِنْ تَهْلِكْ مَاشِيَتُهُمَا يَرْجِعَا إِلَى نَخْلٍ وَزَرْعٍ، وَإِنَّ رَبَّ الصُّرَيْمَةِ وَرَبَّ الْغُنَيْمَةِ إِنْ تَهْلِكْ مَاشِيَتُهُمَا يَأْتِنِي بِبَنِيهِ فَيَقُولُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَفَتَارِكُهُمْ؟! أَنَا لاَ أَبَا لَكَ فَالْمَاءُ وَالْكَلأُ أَيْسَرُ عَلَيَّ مِنْ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، وَايْمُ اللَّهِ إِنَّهُمْ لَيَرَوْنَ أَنِّي قَدْ ظَلَمْتُهُمْ، إِنَّهَا لَبِلاَدُهُمْ فَقَاتَلُوا عَلَيْهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَأَسْلَمُوا عَلَيْهَا فِي الإِسْلاَمِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلاَ الْمَالُ الَّذِي أَحْمِلُ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا حَمَيْتُ عَلَيْهِمْ مِنْ بِلاَدِهِمْ شِبْرًا»(29).

إن السياسة الراشدة هي التي تعمل على توفير العمل وتيسيره للقادرين من الفقراء، وتعمل على تنمية مصادر الدخل لصغار الملاك، ليستغني هؤلاء وأولئك بجهدهم الخاص عن طلب المعونة من الدولة، وتكليفها عبء الإنفاق عليهم من خزانتها. وهذا يظهر من قول عمر: (فالكلأ أيسر عليَّ من الذهب والورق).

ثالثًا: تعليم كل صبي مهنة تناسبه، فقد ذكر ذلك بعض الفقهاء وَهُوَ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّافِعِيَّةُ، قَالَ الْقَلْيُوبِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ مَا مُفَادُهُ: «يَجِبُ أَنْ يُسَلِّمَ الْوَلِيُّ الصَّغِيرَ لِذِي حِرْفَةٍ يَتَعَلَّمُ مِنْهُ الْحِرْفَةَ».

رابعاً: الزكاة تشغل جميع الطاقات والقدرات، وتهيئ لها أسباب الاحتراف.

إن الزكاة لم تكن يومًا من الأيام عائقةً عن العمل أو حاثة على البطالة والكسل، أو مهيئة لأجواء الخمول والاعتماد على الآخرين، ولم تكن الزكاة تصرف كمسكنات لذوي الحاجة والفقر ليبقوا متعلقين ومتطلعين لأيدي أهل الغنى واليسار طوال أعمارهم.

إن الزكاة جاءت لتنظم الثروة وإغناء الناس عن المسألة وفتح أبواب الرزق أمام الجميع والمنافسة الشريفة على الكسب.

لقد جاء تنظيم الزكاة بأن تؤخذ من أغنياء كل بلدة فتصرف على فقرائها ولا تنقل إلى غيرهم، حتى تُسَدَّ حاجتهم، وجاء نظامها بصرف زكاة الأموال الظاهرة إلى بيت المال ليقوم بتوزيعها على المستحقين لها، ضمانًا لعدالة التوزيع وحفظًا لماء وجه الفقير، وقطعًا للطريق على المحتالين.

وجاء تنظيم الزكاة لتكون مشغلة لجميع أفراد المجتمع فتعدهم لسوق العمل وتحفزهم عليه وتهيئ لهم بيئته بما يدفع لهم من مساعدات تخص حرفهم. بالغة ما بلغت كما رجح ذلك جمع من الفقهاء.
ذكر النووي رحمه الله معنى الكفاية قال: «فرع: قال أصحابنا: والمعتبر في قولنا يقع موقعاً من كفايته المطعم والملبس والمسكن وسائر ما لا بد منه على ما يليق بحاله، بغير إسراف ولا إقتار لنفس الشخص ولمن هو في نفقته»(30).

وفصّل في موضع آخر في فرع بعد أن ذكر أن أصحابهم العراقيين وكثيراً من الخراسانيين قالوا: يعطيان _ أي الفقير والمسكين _ ما يخرجهما إلى الغنى وهو ما تحصل به الكفاية على الدوام. قال: وهذا نص الشافعي، واحتج له بحديث قبيصة بن المخارق الذي رواه مسلم.

والشاهد منه: أن الرسول صلى الله أجاز له المسألة حتى يصيب ما يسدّ حاجته فدل على ما ذكرناه.

ثم ذكر تفصيلات الأصحاب: قال أصحابنا: فإن كان عادته الاحتراف؛ أعطي ما يشتري به حرفته، أو آلات حرفته، قلّت قيمة ذلك أم كثرت، ويكون قدره بحيث يحصل من ربحه ما يفي بكفايته غالباً.

ويختلف باختلاف الحرف والبلاد والأزمان والأشخاص. وقرب جماعة من أصحابنا ذلك فقالوا: من يبيع البقل يعطى خمسة دراهم أو عشرة، ومن حرفته بيع الجوهر، يعطى عشرة آلاف درهم مثلاً؛ إذا لم يتأت له الكفاية بأقل منها، ومن كان تاجراً أو خبازاً أو عطاراً أو صرافاً؛ أعطي بنسبة ذلك، ومن كان خياطاً أو نجاراً أو قصاراً أو قصاباً أو غيرهم من أهل الصنائع؛ أعطي ما يشتري به الآلات التي تصلح لمثله، وإن كان من الضياع؛ يعطى ما يشتري به ضيعة، أو حصة في ضيعة تكفيه غلتها على الدوام.

قال أصحابنا: فإن لم يكن محترفاً ولا يحسن صنعة أصلاً، ولا تجارة ولا شيئاً من أنواع المكاسب؛ أعطي كفاية العمر الغالب في بلاده، ولا يتقدر بكفاية سنة.

قال المتولي وغيره: يعطى ما يشتري به عقاراً، يستغل منه كفايته.

قال الرافعي: ومنهم من يشعر كلامه بأنه يعطى ما ينفق عينه في مدة حياته. والصحيح بل الصواب هو الأول.

هذا الذي ذكرناه من أعطائه كفاية عمره هو المذهب الصحيح الذي قطع به العراقيون، وكثيرون من الخراسانيين، ونص عليه الشافعي. وذكر البغوي والغزالي وغيرهما من الخراسانيين أنه يعطى كفاية سنة، ولا يزاد؛ لأن الزكاة تتكرر كل سنة، فيحصل كفايته منها سنةً سنةً، وبهذا قطع أبو العباس ابن القاص في المفتاح.

والصحيح الأول وهو كفايته العمر. قال الشيخ نصر المقدسي: هو قول عامة أصحابنا، قال: وهو المذهب. اهـ (31).

وقال بعض العلماء: «إن من تمام الكفاية ما يأخذه الفقير ليتزوج به إذا لم تكن له زوجة واحتاج للنكاح»(32).

وقال شيخ الإسلام حينما سُئِلَ عَمَّا ذَكَرُوهُ فِي حَدِّ الْمِسْكِينِ مِنْ أَنَّهُ مَنْ قَدَرَ عَلَى مَالٍ أَوْ كَسْبٍ يَقَعُ مَوْقِعًا مِنْ كِفَايَتِهِ وَلاَ يَكْفِيه هَلْ الْمُرَادُ عَدَمُ الْكِفَايَةِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أَوْ كُلَّ السَّنَةِ أَوْ الْعُمْرَ الْغَالِبَ فَإِنْ قُلْتُمْ بِالأَخِيرِ كَمَا صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ رحمه الله تعالى فَمَا حَدّه وَمَا حَدُّ الْغَنِيِّ الَّذِي لاَ يَجُوزُ مَعَهُ أَخْذُ الزَّكَاةِ فَإِذَا كَانَ رَجُلٌ عُمْرُهُ عِشْرُونَ سَنَةً مَثَلاً وَلَمْ يَكُنْ كَاسِبًا وَعِنْدَهُ عَشَرَةُ آلاَفٍ مَثَلاً وَمُؤْنَتُهُ كُلَّ سَنَةٍ أَلْفٌ مَثَلاً فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ الزَّكَاةُ أَوْ لاَ فَإِنْ قُلْتُمْ يَجُوزُ فَمَا الْحَدُّ الَّذِي يَجُوزُ أَخْذُهُ وَكَمْ يُعْطِي الدَّافِعُ لَهُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ مَنْ تَحَقَّقَ بِالْفَقْرِ أَوْ الْمَسْكَنَةِ لاَ يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ يُحْسِنُ حِرْفَةً أَوْ تِجَارَةً أَوْ لاَ يُحْسِنُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَمَنْ لاَ يُحْسِنُ شَيْئًا إمَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ شَيْءٌ أَوْ لاَ فَأَمَّا مَنْ لَهُ حِرْفَةٌ فَإِنَّهُ يُعْطَى ثَمَنَ آلاَتِ حِرْفَتِهِ الَّتِي يَقُومُ دَخْلُهَا بِخَرْجِهِ عَلَى الدَّوَامِ فَإِنْ لَمْ يَفِ دَخْلُهَا بِخَرْجِهِ كَمَّلْنَا لَهُ الزَّائِد بِأَنْ نَضُمَّ إلَى ثَمَنِ تِلْكَ الآلاَتِ شِرَاءَ مَحَلٍّ نُعْطِيه لَهُ يَقُومُ دَخْلُهُ مَعَ دَخْلِ الْحِرْفَةِ بِكِفَايَتِهِ وَكِفَايَةِ مُمَوَّنِهِ بِحَسَبِ اللاَّئِق بِهِ وَبِهِمْ عَلَى الدَّوَامِ أَيْضًا.

وَأَمَّا مَنْ يُحْسِنُ التِّجَارَةَ فَإِنَّهُ يُعْطَى رَأْسَ مَالٍ يَكْفِيه رِبْحُهُ بِأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الرِّبْحُ الْحَاصِلُ مِنْهُ بِحَسَبِ الْعَادَةِ بِقَدْرِ مَا يَحْتَاجُهُ هُوَ وَمُمَوَّنُهُ كَمَا ذُكِرَ وَلاَ يَتَقَيَّدُ ذَلِكَ بِحَدٍّ وَذِكْرُهُمْ إعْطَاءِ الْبَقَّالِ وَالْجَوْهَرِيِّ وَالصَّيْرَفِيِّ وَغَيْرِهِمْ أَشْيَاءَ مَخْصُوصَةً ذَكَرُوهَا وَحَدَّدُوهَا إنَّمَا هُوَ لأَنَّ ذَلِكَ كَانَ مُنَاسِبًا لِعُرْفِ زَمَنِهِمْ كَمَا أَشَارُوا إلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ عَقِبَ تِلْكَ الْمَقَادِيرِ تَقْرِيبًا.

وَأَمَّا مَنْ مَعَهُ مَالٌ وَهُوَ لاَ يَكْفِيه الْعُمْرَ الْغَالِبَ بِأَنْ يَكُونَ لَوْ وَزَّعَهُ عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ عُمْرِهِ بِاعْتِبَارِ الْغَالِبِ الَّذِي يَعِيشُ إلَيْهِ أَكْثَرُ النَّاسِ وَهُوَ مَا بَيْن السِّتِّينَ وَالسَّبْعِينَ لاَ يَكْفِيه بَلْ يَنْقُصُ عَنْ ذَلِكَ أَوْ لَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ وَلاَ يُحْسِنُ كُلٌّ مِنْهُمَا حِرْفَةً وَلاَ تِجَارَةً فَإِنَّهُ يُعْطَى كِفَايَةَ الْعُمْرِ الْغَالِبِ بِأَنْ يُشْتَرَى لَهُ أَرْضٌ أَوْ عَقَارٌ يَكْفِيه كَمَا مَرَّ غَلَّتهَا عَلَى الدَّوَامِ.

فَفِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ فِي السُّؤَالِ يُضَمُّ إلَى الْعَشَرَةِ الآلاَفِ الَّتِي مَعَهُ قَدْرٌ بِحَيْثُ لَوْ اشْتُرِيَ بِهِمَا مَحَلٌّ كَفَاهُ دَخْلُهُ عَلَى الدَّوَامِ. وَمَحَلُّهُ كَمَا عُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ مَا إذَا كَانَتْ تِلْكَ الْعَشَرَةُ الآلاَفُ يَفِي رِبْحُهَا بِخَرْجِهِ إنْ كَانَ يُحْسِنُ تِجَارَةً أَوْ لاَ يَشْتَرِي بِهَا مَا يَكْفِيه غَلَّته إنْ لَمْ يُحْسِنْ شَيْئًا فَفِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ يُضَمُّ إلَيْهَا مَا يَشْتَرِي بِهِ مَا تَكْفِيه غَلَّته أَمَّا إذَا كَانَتْ تِلْكَ الْعَشَرَةُ الآلاَفُ يُمْكِنُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا مَا تَكْفِيه غَلَّته أَوْ يُمْكِنُهُ أَنْ يَتَّجِرَ فِيهَا بِمَا يَفِي رِبْحُهُ بِخَرْجِهِ فَلاَ يُعْطَى شَيْئًا مِنْ الزَّكَاةِ لأَنَّهُ الآنَ غَنِيٌّ.

وَالْحَاصِلُ أَنَّا نَعْتَبِرُ إنْفَاقَ عَيْنِ الْمَالِ الَّذِي بِالْيَدِ إلاَّ فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ مَالٌ وَلاَ يُحْسِنُ فِيهِ تِجَارَةً وَلاَ كَسْبًا وَلَوْ أَنْفَقَهُ بَقِيَّةَ عُمْرِهِ لَمْ يَكْفِهِ الْكِفَايَةَ السَّابِقَةَ فَهَذَا مِسْكِينٌ فَيُعْطَى شَيْئًا يُضَمُّ إلَى ذَلِكَ الْمَالِ وَيُشْتَرَى لَهُ بِهِ مَا تَكْفِيه غَلَّته.

وَأَمَّا مَا عَدَا هَذِهِ الصُّورَةَ فَمَنْ لَهُ حِرْفَةٌ أَوْ تِجَارَةٌ وَلاَ يَكْفِيه دَخْلُهَا فَإِنَّهُ يُكَمَّلُ لَهُ بِأَنْ يُشْتَرَى لَهُ مَا يَضُمُّ رِبْحهُ إلَى رِبْحِ حِرْفَتِهِ أَوْ تِجَارَتِهِ بِحَيْثُ يَكْفِيه.

هَذَا حَاصِلُ الْمُعْتَمَدِ الَّذِي يَتَعَيَّنُ الاعْتِنَاءُ بِفَهْمِهِ وَتَحْرِيرِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَإِنَّهُ قَدْ كَثُرَ فِيهَا اخْتِلاَفُ أَنْظَارِ الأَئِمَّةِ فِيهَا وَتَغْلِيظُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ فِي بَعْضِ تَفَاصِيلِهَا.

... وَيَنْدَفِعُ بِمَا تَقَرَّرَ مَا أَشَارَ إلَيْهِ بَعْضُ الأَئِمَّةِ مِنْ أَنَّ إعْطَاءَ الْعُمْرِ الْغَالِبِ يَلْزَمُ عَلَيْهِ حِرْمَانُ أَكْثَرِ الْمُسْتَحَقِّينَ إذْ الْغَالِبُ أَنَّهُ لاَ يُوجَدُ مِنْ الزَّكَاةِ مَا يَكْفِي مُسْتَحَقِّيهَا الْعُمْرَ الْغَالِبَ وَوَجْهُ انْدِفَاعِ هَذَا مَا عَلِمْت أَنَّ أَحَدًا مِنْ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ لاَ يُعْطَى حَيْثُ اتَّسَعَ الْمَالُ نَقْدًا وَإِنَّمَا يُشْتَرَى لَهُ بِهِ مَا يَفِي دَخْلُهُ بِخَرْجِهِ فَإِنْ قَلَّ الْمَالُ أُعْطِيَ كُلَّ مَا تَيَسَّرَ لَهُ»(33).


عوائق التأهيل المعاصرة:

إن من أسباب انتشار البطالة والتقاعس عن العمل والاحتراف عادات اجتماعية متوارثة، وتقاليد غربية وافدة تسببت في ممارسة الضغط على مفاهيمنا وعقيدتنا وأمتنا من حيث يعلمون أو لا يشعرون شكلت عوائق كبيرة في طريق التأهيل ومنها:

1.  احتقار المهن وازدراء أصحابها، والإعلاء من شأن الوظيفة المكتبية عند الدوائر الرسمية، وهذه النظرة الدونية تمارس على جميع المستويات والطبقات، وتغرس في النفوس منذ الصغر، وإن ادعى المثقفون والغيورون تعظيم أصحاب المهن وتكريمهم فهذا لا يتعدى المجالس الرسمية فقط.

2.  التشجيع على الإسرف والإغراق في الكماليات وممارسة الضغوط النفسية والمعنوية من خلال الإعلام والدعايات التجارية المتكاثرة، والممارسات في البيوت والقصور والولائم. مع كثرة الترفيه واللهو والدعايات المرغبة فيه، حيث يجد الفقير إحراجًا كبيرًا من أولاده لأجل تحصيل هذه الكماليات.


3.  إغلاق كثير من المصالح العامة أبواب الرزق على محدودي الدخل، بوضع الشروط والضوابط التي لا تنطبق إلا على الأغنياء أو كبار التجار.

4.  تكريس التسول المنظم وتأييده، وفتح الأبواب للمحتالين على الزكاة من خلال بعض الجمعيات التي لا تنظر في حالة فقير، ما لم يتقدم إليها بطلب المساعدة والعون.


5.  الاكتفاء بالصور التقليدية المتوارثة في توزيع الزكاة على هيئة أقراص مسكنة إلى حين انتهائها ليعود الفقير يمد يده مرة أخرى يستجدي أهل اليسار أو من يقوم بجمعها من المحسنين، وعدم الاهتمام بالاستفادة من الزكاة في تأهيل القادرين على العمل وتمكينهم من الاحتراف.

6.  التشبع من التعليم النظري في مدارسنا والبعد عن ممارسة التطبيقات العملية، إما لعدم القناعة بها، أو لقلة المتخصصين، أو العجز المالي عن توفير الورش وأدوات المهن. أو مسايرة الرأي الغربي بعدم تعليم الأطفال المهن.

الإبداع بالتأهيل:

إن الجمعيات والجهات الخيرية الراغبة في تنمية مواردها هي التي تولي التأهيل عناية فائقة وذلك بتخصيص إدارات وأقسام متخصصة للتأهيل، مع طرح المسابقات والبحوث العلمية على أفضل برنامج إبداعي في تأهيل المستفيدين.

وإن برامج التأهيل متعددة ولا يمكن حصرها واستقصاؤها. والبرامج تتماشى مع الأحوال والبيئة، إلا أن المطلع على برامج التأهيل القليلة عند الجمعيات يجد أن كل جميعية صورة طبق الأصل للجمعيات الأخرى، فلماذا نحصر تفكيرنا على تفكير الآخرين، صحيح أنه ينبغي أن نبدأ من حيث انتهى الآخرون وأن نستفيد من البرامج الناجحة ولكن ينبغي أن نبني على ما بنوا ولا نكتفي بما عملوه، ولعلي لا أكون مقلدا بما أسوقه من تجارب في التأهيل فقد عزفت عن ذكر البرامج التقليدية المتكاثرة في الجهات الخيرية.

أمثلة لتجارب فردية:
-كراتين الموز: شاب من الرياض وجد نفسه بدون عمل على الرغم من مؤهله الجامعي ففكر في عمل يدر عليه مبلغاً يكفيه وأهله فرأى في موسم التمر الإقبال الشديد على كرتون الموز فقرّر العمل على جمع كرتون الموز بعد الموسم وبيعه في الموسم القابل فجمع خلال عام مليون كرتون وربح بها مليون ريالاً.

-تصليح الجوالات: أحد الطلاب الألبان تخرج في إحدى الجامعات الإسلامية وذهب للدعوة في بلده مكفولاً من إحدى الجهات الخيرية بمبلغ مائة دولار. وفعلاً نجح في دعوته ولكنه وجد حاجة في تلاميذه وهو الكريم وليس في وسعه سدّ حاجتهم فعكف على تعلم مهنة وهي صيانة الجوال وأعطى الخبرة تلاميذه فأصبح دخله وحده ألف دولار شهرياً بدون تفرغ للعمل، ولما زار المدينة منح خبرته لعدد من شبان المدينة.

-ورشة التبريد المتنقلة: شاب من فن-زولا في الجامعة الإسلامية أراد أن لا يرتبط بعمل وظيفي حتى لا يأخذ عليه وقته الممنوح للتعليم والدعوة فقرّر مع تلاميذه فتح ورشة فوجد أسهل عمل مهني هو ورشة التبريد والتي لا تتعدى أربع قطع وفعلاً تم فتح الورشة المتنقلة عبر الجوال وكسبوا منها مبالغ كافية لهم ولأسرهم ولبرامجهم العلمية والدعوية.


زيارات تعليقات
تقييمات : [0]
893 0
عرض الردود
شاركنا رأيك

الحقوق محفوظة لمؤسسة الفرقان لتحفيظ القرآن