الثلاثاء 23 / 10 / 2018 - 11:18 صباحاً    بتوقيت القدس الشريف
   
ذات صلة
   
   

   

مقالات الفرقان
   

اصدارات الفرقان
   

مقالات الإعجاز
   

تابعنا على Facebook
 
 
العمل الخيري والتنمية (3)
مؤسسة الفرقان لتحفيظ القرآن - - الأحد 22 / 03 / 2009 - 04:38 مساءً
العمل الخيري والتنمية (3)
بقلم  د. محمد سعيد عبدالمجيد

انتهينا في المقالة السابقة إلى أهمية تحديد مفهوم للتنمية يتلاءم مع واقع دول العالم الإسلامي، ويحقق طموحاتها في معيشة أفضل. وهذا هو موضوع المقالة الحالية " التنمية من منظور إسلامي".

وبداية فالتنمية ـ كما عرضنا في المقالات السابقة ـ ينبغي أن تقوم على اعتبارات معقدة متشابكة: اقتصادية وسياسية واجتماعية وثقافية، وأن يكون لها طابع كلي يجمع مظاهر متعددة من الحياة الاجتماعية، ويستجيب لأهداف خلقية وثقافية لها جذورها العميقة من التراث التاريخي لكل شعب. لذلك ليس من المقبول أن يتصور وجود قالب نمطي واحد للتنمية. كما أن تحدي التنمية ـ بالمعنى الواسع ـ يعني تحسين نوعية الحياة. ومع أن نوعية الحياة الأفضل تتطلب دخولا مرتفعة، لكنها تتضمن أكثر من ذلك؛ فهي – كنتائج في حد ذاتها –  تشتمل على تعليم أفضل، ومستويات أعلى من الصحة والغذاء، وفقر أقل، وبيئة نظيفة، ومساواة أكثر في الفرص، ومزيد من الحرية الفردية، وحياة ثقافية ثرية . والتنمية إذن تعتبر مشروعاً حضارياً للمجتمع بأسره في جوانب حياته المختلفة، بما تتضمنه من تغيرات في القيم والحوافز والموقف من العمل والتنظيم الاجتماعي والقدرة التكنولوجية.

ووفقاً لهذا الفهم فالعلاقة بين الإسلام والتنمية علاقة اتصال وتكامل وليست علاقة انفصال أو تناقض. والعلاقة الوطيدة بين الإسلام والتنمية هي ما مكنت الإسلام في عصور الازدهار الإسلامي من إحداث تحول شامل في عقائد الناس وفي سلوكهم وأخلاقهم، وزرع القيم العالية في حياتهم، ابتداءً من الشورى والمشاورة في الشؤون العامة، إضافة إلى ما شملته من جوانب اقتصادية واجتماعية وتعليمية أثبتت بمجملها شمولية التنمية الإسلامية.

كما جعل الإسلام الإنسان هدفاً أساسياً للعملية التغييرية التنموية.  وقد جعل الإسلام الإنسان قيمة حقيقية وركناً أساساً في الحياة بما أودع الله فيه من القدرة الجسدية والذهنية وقابلية التكيف المستمر. ودليل ذلك أنه جعله مسؤولاً، يستطيع من خلال تلك القدرات أن يحقق مهمة الخلافة في الأرض التي خلقت له خلقاً فريداً متميزاً، وأودع الله تعالى فيها كل ما يساعده على العيش والحركة والتغيير(1).

لذا نجد أن بعض النماذج التنموية والوضعية، وكذلك مناهج التنمية، لا تفترق عن مباديء الإسلام العامة، إن لم تكن موافقة لها في كثير من الجوانب، مثل التركيز على مفهوم التنمية  الشاملة، والحرص على تنمية القوى البشرية ودراسة التنمية من خلال منظور بيئي، والاهتمام بالفئات التي تعاني للحصول على الخدمات التي تحتاجها كالمرأة والطفل وغيرهم، وبالتالي يمكن الاستفادة منها في تحقيق التعاون المشترك أو صياغة برامج عمل مناسبة. كما أن الحكمة في أدبيات التنمية كدور السياسات العامة في تفعيل القطاع الخاص وفي تحقيق التنمية المنشودة، هي ضالة المؤمن حيث وجدها فهو أحق الناس بها، وتجارب الدول الأخرى في إحداث التنمية ونجاح سياساتها المختلفة هي من سنن الكون ونواميس الحياة التي لابد أن نتعرف عليها، بل لابد من السعي لتطبيقها مع الإبداع في تطويرها لتناسب أحكام الإسلام وأعراف المجتمع وتقاليده (2).

والمسلمين جميعاً إذا أدركوا أن العمل الدائب هو عبادة لله تعالى وأنهم مأمورون ديناً أن يتحركوا، وأنهم سيحاسبون إذا فرطوا وقصروا، فإنهم سيندفعون اندفاعا حماسياً عظيماً لإتمام المهمة وإعادة البناء الجديد من خلال التنمية في نواحي الحياة كلها. كما أن الفرد المسلم إذا تربى في المجتمع على مزاولة الاقتصاد الحلال ـ لا الاقتصاد الحرام ـ يزدهر على يديه المجتمع، وتكفي الموارد؛ لأن الحاجات عندئذ لا تعبر عن ضغط الغرائز الحيوانية، وإنما تظهر منسجمة مع الهدف الحقيقي لوجود الإنسان الخليفة في إطار النظام الإلهي العام في الوجود، المتمثل بالإسلام الذي يتفرع منه النظام الاقتصادي الإسلامي المتوازن.

وهذه هي بعض الملامح العامة للتنمية من منظور إسلامي تجعلها متميزة عن نماذج التنمية الأخرى المعروفة اليوم تمام التميز. وهذا الشكل لابد أن يؤدي عند تطبيقه إلى طريق ثالث للتنمية في المجتمع الإنساني، طريق ليس آلياً يبغي الربح وحده أو الكفاية الاقتصادية وحدها، وإنما هو طريق إنتاج أخلاقي إنساني يفي بحاجة الإنسان وضروراته، وشيء من كمالياته( 3 ).

كما يدلل على صدق ذلك أن بلدان العالم الإسلامي التي تبنت المنظور الغربي للتنمية وقامت بتطبيقه رجاء حصول نمو وتطور اقتصادي قد باء رجاؤها بالخسران المبين، لا لضعف في الموارد الأولية، أو لقلة في الموارد الطبيعية؛ ولكن هذا التصور والتوجه الغربي في التنمية كان دخيلاً على العالم الإسلامي الذي له نظرة أو تصور خاص للكون والإنسان والحياة. وبناءً على ذلك، فقد انقضت ثلاثة عقود أو أكثر من التنمية وما تزال الدول - التي اصطلح على تسميتها بالنامية أو المتخلفة - تعاني من نفس الأزمات التنموية للمجتمع المتخلف، ولم تحقق تقدماً ملحوظاً في معظم المجالات السياسية والاقتصادية، بل إنها تراجعت في كثير من هذه النواحي إلى مستويات من الممارسة والأداء والفعالية أدنى مما كانت عليه( 4).

لذا فإذا كانت التنمية في الغرب قد اتجهت اتجاهاً مادياً بحتاً، وحاولت التركيز على الحياة الاقتصادية وحدها، مهملة أشد الإهمال الاهتمام بمباديء الدين الحق وتربية الضمير والتخطيط لتوجيه الجانب الأخلاقي والاجتماعي في الإنسان من خلال نظام قيمي إنساني خالد، والتي تمثلت  في العالم الرأسمالي بالسيطرة الاحتكارية على مصائر الأكثرية الساحقة من الناس - والأزمة المالية العالمية الحالية الناتجة كما يرى غالبية الاقتصاديين بسبب الاحتكار والفوائد الربوية ( نظام فوائد القروض والائتمان ) ـ هي خير دليل على ذلك. وكذلك الحال في العالم الشيوعي المنهار بتثبيت هيمنة الدولة على الحياة الاقتصادية، وتحريم ملكية الأفراد، وإنكار دور المبادرة الفطرية الفردية. لذلك فاستيراد النماذج التنموية الغربية في العالم الإسلامي كان كارثة كبيرة عليه؛ نظراً لاختلاف التطور التاريخي والمنظومة الحضارية للمجتمعات الإسلامية.

لذلك فالعالم الإسلامي في حاجة إلى قيام مسار جديد للتنمية، ينطلق من مباديء الشريعة الإسلامية كأساس لتفعيل برامج التنمية وإعطائها الزخم والدفعة القوية، من منطلق أن الإسلام يطالبنا بأن نكون الأمة الأقوى على مستوى العالم كله: الأقوى إيمانياً بمعيار الإيمان وبمعيار القرآن والسنة، والأقوى مادياً بمعيار العصر.

            ووفقاً لما سبق، يمكن القول إن التنمية الملائمة لدول العالم الإسلامي في ظل الظروف الدولية المتغيرة ـ سواء أكانت تنمية بديلة أم بشرية أم تنمية مستديمة ـ هي تنمية يجب أن تنطلق من منظور إسلامي، وينبغي أن تتوافر فيها عدة عناصر، من أهمها:

1-                   أن تنطلق من مباديء الشريعة الإسلامية.

2-                   أن تكون ذات أبعاد متعددة اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية وإدارية ونفسية وبيئية.

3-                   أن تهدف إلى إشباع الحاجات الأساسية والاجتماعية للأفراد.

4-                   أن تهدف إلى تلبية حاجات الحاضر، دون التضحية بمتطلبات المستقبل.

5-                   أن تقوم على أساس المساواة والمشاركة الكاملة لكل الأفراد، وحماية حقوق الإنسان، وإعطاء المزيد من الحرية الفردية.

6-                   أن تحاول تحقيق التقدم بأقل قدر من استهلاك الموارد الطبيعية، وبالحد الأدنى من التلوث والإضرار بالبيئة.

7-                   أن تكون تنمية معتمدة على الذات.





المراجع



1)      محسن عبد الحميد، الإسلام والتنمية الاجتماعية، ط1،  دار المنارة، جدة، 1989، ص ص 6 – 7.

2)      فؤاد العمر، دور مؤسسات الوقف المعاصرة في رعاية قضايا المرأة: إشكاليات وتجارب، ط 1، الأمانة العامة للأوقاف، الكويت، 2006، ص ص 27 – 28.

3)      محسن عبد الحميد، الإسلام والتنمية الاجتماعية، مرجع سابق، ص 8.

4)      نصر محمد عارف، نظرية التنمية السياسية المعاصرة، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، فرجينيا، 1992م، ص 39 .


زيارات تعليقات
تقييمات : [0]
1205 0
عرض الردود
شاركنا رأيك

الحقوق محفوظة لمؤسسة الفرقان لتحفيظ القرآن